
حين تُطرح قضية اجتماعية أو تُناقش ظاهرة سلوكية، فإن الطرح لا ينصرف إلى أشخاص بعينهم بقدر ما يتجه إلى فكرة أو سلوك أو نمط عام.
هذا التفريق بين نقد الظاهرة ونقد الأفراد لا يُستوعب دائماً على النحو ذاته من قِبَل المتلقين، إذْ يتولد لدى بعضهم شعورٌ بأنهم مستهدفون بشكلٍ مباشر، فيتخذون موقفاً دفاعياً قد يصل إلى الرفض أو الاتهام أو حتى الهجوم.
هذه الإشكالية تكشف عن تعقيد العلاقة بين النقد والوعي الاجتماعي، وتستدعي تحليلاً أعمق لأبعادها النفسية والثقافية والمعرفية، كما تبرز الحاجة إلى ترسيخ قواعد واضحة للحوار تقوم على التفريق بين الفكرة وصاحبها.
أول ما ينبغي تأكيده أن النقد، بوصفه ممارسة فكرية، يهدف إلى الكشف والفهم، لا إلى الإدانة أو الانتقاص أو التعريض بأحد أو الغمز من أحد.
إنه يسعى إلى إخراج ما هو "لامفكرٌ فيه" إلى دائرة الضوء، وإعادة طرحه في مجال التداول العام، بما يسمح بتأمله ونقده ومراجعته وتحسينه، وهذا فعلٌ إصلاحي، لا يكتمل أثره إلا حين يُستقبل بعقل منفتح، لا بذهنية متحفزة.
المجتمعات التي تخلو من النقد هي مجتمعات ساكنة، تفتقر إلى آليات التصحيح الذاتي، بينما المجتمعات الديناميكية هي تلك التي تسمح بتعدد الأصوات وتباين الرؤى، وتعتبر الاختلاف مصدر ثراء لا تهديد.
لكن لماذا إذًا يُساء فهم النقد أحياناً؟ يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل،
أولها العامل النفسي، حيث يميل الإنسان بطبيعته إلى الدفاع عن ذاته وصورته أمام الآخرين، فعندما يُطرح نقد لسلوك شائع، قد يشعر الفرد –إن كان يمارسه– بأنَّ هذا النقد موجّه إليه شخصياً، وإنْ لم يُذكر اسمه أو يُقصد بعينه، فهو بدلاً من أنْ يلتفت إلى ما قيل وينظر إلى ما فيه من حجة، يُسقط ذلك النقد العام على ذاته الخاصة، فيتحول من موقع المتأمل إلى موقع المتلقي المهدَّد، فتغيب الموضوعية ويحل محلها الانفعال.
العامل الثاني هو غياب الثقافة النقدية، حيث لم يعتد كثيرٌ من الناس على التمييز بين الفكرة وصاحبها، أو بين السلوك والشخص، وفي هذه الحالة، يُعدُّ النقد تهديداً للهوية، لا فرصة للمراجعة. ويغيب الوعي بأن الاعتراف بوجود خللٍ ما، لا يعني بالضرورة الإدانة، بل هو خطوة نحو الإصلاح، كما أن القدرة على تقبل النقد تُعدُّ مؤشراً على الاستنارة، وإرادة الفهم.
العامل الثالث وهو قوة العادة وممانعتها، حيث يترسخ لدى صاحبها أنَّ ما يفعله لا يمكن العيش من دونه، ومن هنا تأتي مقاومة أي تغيير يمس هذا السلوك أو يشكك في صلاحيته،
أو أي طرحٍ بديلٍ يهدد نمطاً اعتاد عليه وارتبط به نفسياً واجتماعياً.
وهذا ما يجعل بعض الأفراد يتشبثون بالممارسات المألوفة حتى وإنْ ثبت لديهم قصورها، لأنَّ التغيير يتطلب جهداً ووعياً وقدرة على إعادة النظر في المسلّمات.
وعموماً، إنَّ الخروج بالقضايا من دائرة المسكوت عنه إلى دائرة النقاش العام هو عملٌ ضروريٌ لأي مجتمع، وهو ما يجعل المجتمع ديناميكياً ويشحذ الرؤى والأفكار، ويخلق حراكاً فكرياً واجتماعياً يفتح آفاقاً جديدةً للفهم والمعالجة، ويسهم في كسر الجمود وإعادة تشكيل الوعي الجمعي على أسس أكثر نقدية ومرونة.
كما يعمل على ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز مهارات التفكير النقدي، وتشجيع الأفراد على الفصل بين ذواتهم والأفكار المطروحة للنقاش، بما يتيح لهم التفاعل معها بموضوعية، لا بحساسية شخصية.
في المحصلة، يظل النقد وعياً مشتركاً، وظيفته الإضاءة لا الإقصاء، والتنبيه لا الاتهام.