2026/04/02
من باريس إلى مآذن تعز.. مندوب وسفير اليمن لدى اليونسكو د."جميح" ومدير المتحف الوطني بتعز "الدميني" يكشفان لـ (المستقبل أونلاين) كواليس معركة "المظفر" وانتصار الإرادة اليمنية

بينما كانت قذائف الحرب تحاول طمس ملامح مدينة تعز الملقبة بـ "الحالمة"، كانت قباب جامع المظفر البيضاء تشرع بزخرفتها وفرادتها لتروي لليونسكو قصة صمود تمتد لأكثر من سبعة قرون ونصف. واليوم، لم يعد ذلك الشموخ المعماري حبيس أسوار مدينة تعز القديمة المحاصرة، بل تردد صدى تاريخ جامع (المظفر) في أروقة اليونسكو بباريس؛ ليتوج هذا الحضور التاريخي بقرار دولي يقضي باعتماد مشروع ترميمه وحمايته، كرسالة صريحة بأنَّ هوية تعز عصية على الاندثار.


من قلب العاصمة الفرنسية باريس، أعلن يوم أمس الموافق 2026/4/1 م. مندوب اليمن الدائم لدى منظمة اليونسكو الدكتور محمد جميح، عن اعتماد مشروع ترميم جامع المظفر الرسولي ضمن خطة الحماية المعززة. هذا القرار، الذي جاء خلال اجتماع استثنائي للجنة المعنية بحماية التراث الثقافي في زمن النزاع المسلح، يمثل انتصاراً ثقافياً جديداً لمدينة تعز، واعترافاً دولياً بقيمة أحد أبرز المعالم التاريخية والدينية في شبه الجزيرة العربية.


وأمّا بالنسبة لأبناء تعز، فيتجاوز جامع "المظفر" كونه تشكيلاً معمارياً من الأحجار الصماء؛ إذ هو بمثابة ميزان يضبط الوقت ويدلُّ التائهين؛ فمن مآذنه الشامخة لطالما انطلق أذان العيد ليملأ أزقة وحواري المدينة، معلناً بوقاره المعهود ميلاد الفرح في كل بيت. هذا الصوت الذي توارثته الأجيال من تلك المآذن ليس مجرد نداء وحسب، بل هو الرابط الجامع الذي صهر ذاكرة أجيال تعز في باحة مسجد واحد، وحافظ على وحدة الوجدان الجمعي رغم شتات الحرب والحصار.


إلاَّ أنَّ الرحلة من أزقة تعز المحاصرة إلى قاعات اليونسكو في باريس لم تكن معبّدةً بالبروتوكولات الجاهزة؛ بل كانت معركةً تقنية خاضها الجانب اليمني في مواجهة فجوة حادة في التأهيل التخصصي، وهو التحدي الجوهري الذي يضع العمل الأثري في البلاد على حافة الاختبار الصعب وسط غياب أدوات التدريب الحديثة.


ولأنَّ خلف هذا القرار الدولي حكايةً من الإصرار لم تُرْوَ بعد، فقد خصَّ مندوب اليمن الدائم لدى اليونسكو، الدكتور محمد جميح، (المستقبل أونلاين) بحديثٍ استثنائي، غاص فيه وراء كواليس الملف التقني الشاق، كاشفاً عن تفاصيل المشروع وطبيعة الجهود المبذولة لأجل اعتماد تسجيل (المظفر) في قوائم الحماية المعززة.

- سباق مع الزمن وتصحيح المسار :
يضعنا الدكتور محمد جميح في صورة المشهد الميداني والتقني لتلك الرحلة بقوله:
"بالطبع، الجهد جماعي، والبداية كانت من تقديمنا في بداية شهر ديسمبر الماضي، حيث قدمت بعثة الجمهورية اليمنية لدى اليونسكو طلباً بتسجيل سبعة مواقع على قائمة الحماية المعززة، منها أربعة في مدينة تعز ومنها جامع المظفر وقلعة القاهرة، وهناك ثلاثة مواقع أخرى خارج تعز: إثنان في حضرموت وموقع في محافظة شبوة. بعد اعتماد السبعة مواقع على قائمة التراث العالمي من قبل لجنة اليونسكو الخاصة باتفاقية 1999 لحماية التراث الثقافي في زمن الحرب، قدمنا مشروعاً بالتنسيق مع مكتب الهيئة العامة للآثار والمتاحف في تعز، حيث أرسلت لهم استمارات فقاموا بتعبئة هذه الاستمارات وأعادوها إليَّ، فأرسلتها لليونسكو وكان فيها بعض الملاحظات. عقدنا لقاءً مع سكرتارية الاتفاقية المختصة ومع الزملاء في مكتب الهيئة العامة للآثار والمتاحف وسكرتارية الاتفاقية في اليونسكو وتم تلافي بعض النواقص، ثم عرضنا المشروع أمام اللجنة فأخذ بعض الوقت لدراسته، واليوم بحمد الله تم اعتماده من قبل هذه اللجنة، التي هي لجنة حماية التراث الثقافي في زمن الحرب".


-تحديات التدريب ورهان الشباب : 
وفي معرض تشخيصه للعقبات الفنية التي اعترضت الفريق في الميدان، لم يغفل الدكتور جميح الإشارة بوضوح إلى "فجوة" التأهيل، واصفاً التحدي الأبرز بقوله:
"على رأس التحديات التي تواجهنا في أعمال اليونسكو بشكلٍ عام، هو ما يختص بالتدريب والتأهيل، لدينا عجز كبير ونقص كبير في هذه المساحة. وفي هذا المشروع بالذات، الشباب لم يقصروا، بذلوا جهداً كبيراً رغم أنهم لم يتلقوا تدريباً من قبل. ولذلك أُعيد الملف إلينا وتم العمل على التصويبات في الملف، ونحن بدورنا سنحرص بكل جهودنا على توفير بعض التدريبات الدورية حسب ما وفرته الظروف والإمكانات للشباب للعمل من أجل هذه المشاريع."


-المظفر: أكثر من مجرد أثر :
وفي ختام حديثه لـ (المستقبل أونلاين)، استدعى سفير اليمن لدى اليونسكو د. جميح الذاكرة الحضارية للدولة الرسولية التي جعلت من تعز منارةً علمية للعالم، رابطاً بين الماضي العريق وطموحات المستقبل بقوله:
"هذا المشروع هو مشروع ممتاز وضروري لهذا الجامع، الذي لا يعد كونه جامعاً وحسب، فهو أثر ومعلم تراثي كبير، والذي يرمز إلى إحدى أهم الدول اليمنية، بل هي أحد الدول اليمنية التي حكمت على الإطلاق اليمن كاملاً وكانت عاصمتها في تعز في العصر الرسولي واستمرت لقرابة مائتين وخمسين عاماً، وكانت منارةً للعلم والأدب والشعر، وكانوا ملوكها علماء وفصحاء وبلغاء وأدباء وشعراء، وكان منهم الفلكي والطبيب، وكانوا على درجة كبيرة من الذكاء والثقافة والعلم. وهذا المشروع بالطبع سيشكل حافزاً للإخوة في مكاتب الهيئة العامة للآثار والمتاحف في بقية المحافظات لتقديم المزيد من خطط المشاريع، لاعتمادها لدينا في اليونسكو، ونحن بالطبع سنتابعها ونوظف كل ما لدينا من علاقات سواءً داخل إدارة اليونسكو أو مع السفراء المختصين من أجل إنفاذ مثل هذه المشاريع."

- من حلم الإنقاذ إلى واقع التنفيذ :

يسرد مدير عام المتحف الوطني بتعز الأستاذ رمزي الدميني، لـ (المستقبل أونلاين) تسلسل ولادة المشروع وصولاً إلى العالمية قائلاً:"
"تقدمنا بالمشروع قبل ثلاثة أشهر والذي تم إعداده من قبل الهيئة العامة للآثار فرع تعز، ثمَّ رُفع إلى مفوضية الجمهورية اليمنية لدى بعثة اليونسكو بقيادة الدكتور محمد جميح. وكانت هناك لجنة بدورها اطلعت على الملف ورأت دعم الملف والعمل عليه لأجل مشروع المظفر.

الفكرة جاءت من المختصين في الهيئة العامة للآثار فنيين ومهندسين ضمن تقاريرهم الدورية. فكانت المرحلة الأولى أن يتم تسجيل الجامع ضمن برامج الحماية المعززة، ومدينة تعز بشكلٍ عام تعتبر من المدن الواقعة تحت الصراع إضافةً إلى العوامل المناخية."

 

- الأولوية الإنشائية: هيكل المظفر في مواجهة الانهيار :
بصيغة فنية دقيقة، يستعرض المدير الدميني ملامح التدخل الإنقاذي الملحّ:
"المشروع ليس ترميماً للجامع بشكلٍ كامل ولكنه مشروع يقضي بترميم الدعائم التي ترتكز عليها 'الأقواس' و'القباب'، هذا المشروع سيعمل على ترميم هذه الدعائم بشكلٍ كامل وأيضاً ترميم الأضرار في القباب والأقواس الحاملة لها، والجامع يعاني الآن من اندثار كبير في الدعائم ومهدد بالسقوط. هذا المشروع سيكون بمثابة إنقاذ للجامع، وهذه تعتبر المرحلة الأولى والمهمة في العمل، وسوف يليها مشاريع أخرى.
هذا المشروع يدخل ضمن دعم "اليونسكو " لمواقع التراث المسجلة على الحماية المعززة، والهيئة سجلت جامع المظفر ،ضمن أربعة مواقع أثرية في محافظة تعز وهي جامع الأشرفية والمظفر وقلعة القاهرة ومجمع المتحف الوطني."

 

-العد التنازلي للتنفيذ وآليات التمويل:
فيما يخص الجدولة الزمنية واللوجستية والشراكات ، يؤكد رمزي الجاهزية التامة للميدان:
"بالطبع سيتم التنفيذ حيث تم الرفع من قبلنا دراسة كاملة تشمل خطة التنفيذ، والبرنامج الزمني للمشروع، والمخاطر. تم إبلاغنا يوم أمس بالقبول النهائي للمشروع وسيكون هناك لقاءات متكررة سواءً عن طريق الزووم أو عن طريق المنسقيين الموجودين في مدينة تعز. والتنفيذ سيتم خلال الشهرين القادمة، حيث أنه في الشهر القادم ترتيب لأجل العمل. أما التمويل، فهناك إجراءات مالية وتحويلات ستتم عبر فتح حساب مالي في البنك باسم المشروع، ومن ثمّ سيتم التحويل من قبل اليونسكو عبر جهات وسيطة في دول عربية، وصولاً إلى حساب المشروع ليتم الصرف بموجب المخولين من منسقي اليونسكو والهيئة. 
والشراكة هي مباشرة مع الهيئة واليونسكو ولا توجد أية شراكات دولية أو محلية أخرى."

-اشتراطات "الحماية المعززة" ومعركة الوعي ؛ينتقل مدير المتحف الوطني لتشخيص الالتزامات القانونية والعوائق المجتمعية المحيطة بالمعلم قائلاً :
"هناك نوعين من الإجراءات: التسجيل والحماية المعززة التي تبدأ بالترميم والصيانة، وتحكمها تشريعات تضع السلطة المحلية كمسؤول أول عن حماية الجامع من المظاهر المسلحة، أو الاعتداءات، أو التفجير، أو الإهمال. التحديات ليست مالية فحسب، بل هي تخوفات من عودة الصراع، وتحديات التغير المناخي، وغياب الوعي لدى جهات مسؤولة كالأوقاف، والمجتمع الذي يجب أن يكون شريكاً في الصون. الدراسات الحالية لم تشمل الزخرفة؛ بل ركزت على الدعائم والقباب والروابط الخشبية، على أن تتبعها مراحل لاحقة للجدران الداخلية والخارجية ثم الزخرفة والأشرطة الكتابية."

-المظفر.. "مهوى النفوس" وملاذ الباحثين:
وعن القيمة الروحية والعلمية للجامع، يضيف الدميني لـ (المستقبل أونلاين):
"يعتبر جامع المظفر أهم جامع داخل مدينة تعز القديمة، وأول جامع أثري رسولي، وهناك ارتباط روحي عميق بينه وبين المجتمع المحلي؛ فالمواطنون ينظرون إليه كـ 'مهوى للنفوس'. بالنسبة لأبناء المدينة والزوار، ترتبط زيارة تعز بزيارة المظفر كطقس يومي أو أسبوعي في أيام الجمعة على الأقل. أما بالنسبة للباحثين في التراث والتاريخ، فيظل الجامع المادة الحقيقية التي حافظت على أصالتها، وقد أوكل الكثير منهم اهتماماتهم لدراسة عصر الدولة الرسولية وتتبع مراحل تطور البناء في هذا الجامع الفريد."

يختتم المدير حديثه بلمسة إنسانية تربط الأثر بالمستقبل :
"نحن نشتغل على هذا الجانب مع منظمات وهي منظمة "تراث اليمن لأجل السلام "ومنظمة" وعي "واشغلنا برامج توعوية عديدة حاولنا من خلالها أنه نوثق هذا التراث ونعمل على إنشاء صور تاريخية لمعالم الدولة الرسولية ومعالم تعز ونحاول أن نرفع مستوى الوعي لدى المجتمعات المحلية بأهمية الحفاظ على التراث.
كما استهدفنا عدد من المدارس الخاصة والحكومية وأنشأنا وبواسطة منظمات دولية ألفنا دليل كتاب دليل المعلم ودليل الطالب في ما يتعلق بالتراث وهذا الكتاب هو معمم على كل مدارس تعز النموذجية كمدرسة سبأ ومدرسة بلقيس ومدرسة الشعب وثانوية تعز ومدرسة نعمة رسام وغيرها من المدارس النموذجية.
هذه المدارس عقدنا لها ورش عمل بالنسبة للمعلم واعطينا دروس خاصة في كيفية تدريس هذا المنهج للطالب.وأيضاً قمنا بورش عمل للطلاب وقمنا بتعيين منهم كسفراء للتراث".

 

- جامع المظفر.. يستعيد "هيبة" التاريخ :
في نهاية المطاف، لم يكن قرار اليونسكو مجرد استجابة لترميم حجر متهالك، بل هو اعتراف دولي بصلابة "الميزان" الذي ضبط إيقاع الصلاة لأرواح التعزيين لقرون. وكما كشف السفير جميح ومدير المتحف الوطني الدميني لـ (المستقبل أونلاين)، فإنَّ معركة "المظفر" التقنية في باريس كانت الوجه الآخر لصمود مآذنه في الميدان.
اليوم، ومع اقتراب ساعة الصفر للتنفيذ، يغادر جامع المظفر مربع "المعالم المهددة" ليدخل حصانة "الحماية المعززة"، حاملاً معه إرث الدولة الرسولية التي جعلت من تعز منارة للعلم والفلك. وبقاء هذا المعلم شامخاً ليس مجرد صيانة لأثر تاريخي، بل هو تثبيت لبوصلة الهوية اليمنية التي ترفض الاندثار، ورسالة صريحة بأنَّ وهج "الحالمة" باقٍ ما بقيت قباب المظفر البيضاء تعانق السماء.

تم طباعة هذه الخبر من موقع المستقبل أونلاين www.yen-news.com - رابط الخبر: http://almostakbalonline.com/news11411.html