ودّعت الأوساط الثقافية العراقية والعربية، في العاصمة البريطانية لندن، الشاعر والفنان الموسوعي صادق الصايغ، الذي رحل عن عالمنا مساء الجمعة تاركاً وراءه إرثاً إبداعياً عصياً على التصنيف.
الصايغ الذي لم يكن مجرد شاعر، بل "كتلة مواهب" تجسدت في التشكيل والخط والسينما والصحافة، رحل وهو يحمل في حقيبته حنيناً أبدياً لبلادٍ غادرها جسداً ولم تغادره روحاً، هو الذي عاش يفتش عن "وطن مستحيل" في منافٍ لم تمنحه سوى النسيان.
كان الصايغ "نموذجاً للضياع الجميل"؛ ضائعاً بين جيل الخمسينات والستينات، وبين قصيدة التفعيلة والنثر، وبين ريشة الفنان وقلم الشاعر.
بدأت رحلته مع الكلمة في ديوان "نشيد الكركدن" عام 1978، ثم تتابعت في "وطن للروح" و"أنا التراب" و"حجر يبكي"، ليرسم عبرها جغرافية أوجاعه. وفي بيروت وبراغ ولندن، ظل يسكنه هاجس الموت والغياب، وكأنه كان يتنبأ برحيله حين كتب واصفاً غربته الروحية:
سمعت الخطى والرصاص.. وأضوية القاطرات ولم تلتفت.. رأيتهم يعبرون حواشي المساء حفاةً ولم تلتفت.. قُتلت، قُتلت ولم تلتفت".
لم تكن المدن الأوروبية التي عاش فيها سوى مرايا تعكس وجه بغداد التي تسكنه؛ فحتى وهو يقف على نهر "فلتافا" في براغ، كان يرى انعكاسات دجلة، مكرراً عبارته الشهيرة: "أحب بغداد.. أحب حتى مزابلها".
كان وطنه "مجرداً" في قصائده، حلماً هارباً أرهقه البحث عنه عبر المنافي والحرائق، وهو الذي خاطب العراق ذات وجع قائلاً:
تقدمتُ عكس الرياح، عبرتُ بك المدن الموصدة.. عبرتُ الحرائق، جبتُ الجبال، رحلتُ مع النازحين.. بكيتُ على حائط الحمزة وكنتَ ورائي، ورائي.. لقد كنتَ يا وطني".
وعلى الرغم من وسامته وتعدد مواهبه التي جعلت منه نجماً إذاعياً وتلفزيونياً ومصمماً طبق صيته الآفاق، إلا أن الصايغ ظل يسكنه إحساس دفين بعدم الرضى، وكأن الحياة التي عاشها لم تكن تليق بسقف أحلامه.
كان يرى في الكتابة "جنة ورؤيا" تتيح له التمرد، وفي الموت "حلماً آخر" وبداية لحياة جديدة تشبه الموسيقى، حيث قال في إحدى نبوءاته الشعرية
"إذا طَلبتُ الموت.. فلأني أعرف أني سأستيقظ على حلم آخر.. سأتحلل فيه إلى ماء وظل.. ومع قطرات المطر أنزل إلى جذور الأرض أنزل.. كموسيقى".
يرحل صادق الصايغ اليوم، المعلم الذي صاغ عناوين الجمال بخصال شعره الطويل وخطوطه المبتكرة، تاركاً خلفه "وطن الروح" الذي لم يجد له مستقراً على الخارطة، ليتحلل أخيراً "كموسيقى" في ذاكرة الثقافة العراقية، بعيداً عن أزقة "الأزرملي" وشوارع بغداد التي سُحقت كـ "ساعة معطلة" وبقيت تسكن قلبه حتى الرمق الأخير.