لا يمكن قراءة البيان العسكري الأخير الصادر عن مليشيات الحوثي كخطوة معزولة أو مجرد رد فعل على تطورات الأيام الماضية، بقدر ما هو امتداد لمسار كانت ملامحه ترسم بهدوء منذ بدء المواجهة بين إيران وإسرائيل. الجديد هنا ليس في نبرة التصعيد، ولكنه في طبيعة الرسالة نفسها، حيث تمثل انتقالاً محسوباً من مرحلة التلميح والتهديد إلى ما يشبه قواعد لحرب معلنة، وإن جاءت بصيغة مشروطه.
في المرحلة السابقة، كان خطاب المليشيات الخوثية يدور حول ترك الخيارات مفتوحة دون الالتزام المباشر، وهو ما يمكن وصفه بأنه غموض مقصود به تسجيل موقف سياسي. لكن اليوم، ثمة انتقال واضح إلى مستوى آخر، حيث ربطت المليشيات تدخلها المشروط بتوسع الحرب، وعودة العمليات العسكرية في البحر إذا استمر الضغط على إيران. هذه اللهجة لا تعني أن القرار بالدخول في الحرب قد حُسم، بقدر ما تعني رفع كلفة الحرب مسبقاً على الطرف الآخر.
بهذا المعنى، فإن البيان لا يعلن الحرب بقدر ما يعيد صياغة شروطها. فهو أولاً يؤكد أن التهديدات المتعلقة بمضيق باب المندب مهمة عسكرية وموقف سياسي للحوثيين ضمن محور المقاومة، وثانياً يشدد على أن الحوثيين يظلون جزء من المعادلة الإيرانية في المنطقة. في الوقت نفسه، يضع البيان بشكل غير مباشر رابط بين ما يمكن أن يحدث في مضيق هرمز وما يجري في باب المندب، في محاولة لتوسيع نطاق الضغط وتحويله من أزمة إقليمية إلى معادلة تمس الملاحة الدولية.
هذا الربط بالذات يكشف جوهر التحول، حيث انتقلت المواجهة من جغرافية محدودة إلى المنطقة بأكملها. ففي ظل هذه المعادلة الجديدة، يصبح أي تصعيد ضد إيران قابلاً لأن يُترجم إلى فتح جبهة في البحر الأحمر من قبل الحوثيين. هنا لم يعد الخطاب خطاب تضامن سياسي، وانما يؤكد انه مهمة عسكرية تهدف إلى توسيع الصراع إقليمياً.
على الصعيد الداخلي، تحمل الرسالة لا تقل اهمية. فالمليشيات تدرك أن انشغال المنطقة قد يشكل فرصة للحكومة الشرعية لمحاولة تغيير موازين القوة، سواء على الأرض بمعركة عسكرية أو في الجانب الاقتصادي. وبناء عليه، جاء البيان ليربط الجبهة الداخلية بمعادلة الابترزاز؛ أي تحرك في هذا الاتجاه سيتم التعامل معه في إطار المعادلة الإقليمية.
بالتوازي، يوجه البيان تهديداً مباشراً لدول الخليج، خصوصاً السعودية، والهدف هنا ليس الدخول في مواجهة مع الرياض، بقدر تحييدها ومنعها من تمكين قوات الحكومة الشرعية من خوض معركة ضد الحوثيين. فقد صيغت الرسالة بطريقة تحذيرية تقرأ في اللغة العسكرية؛ أي مشاركة في التصعيد ستكون لها كلفة مباشرة تستهدف المصالح الخليجية، وهذا في حد ذاته أحد أوراق الضغط التي تستخدمها المليشيات الحوثية تجاه دول الخليج. غير أن البيان ترك مساحة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، ما يشير إلى أن خيار التهدئة والتفاوض الغير معلن يظل قائماً، إذا ما حرصت السعودية على منع نشوب معركة محتملة بين القوات الشرعية والحوثيين.
بجمع هذه المؤشرات، يتبين أن الحوثيين لا يعملون بمعزل عن الإطار الاقليمي، وانما ضمن استراتيجية قائمة على الرد التدريجي. فالمسارات التي تم تحديدها سابقاً ما زالت قائمة؛ أولاً، تعطيل الوجود العسكري الأميركي في البحر إذا طال أمد الحرب. ثانياً، الضغط على دول الخليج إذا ما دعمت القوات الشرعية في فتح جبهة قتال محتملة. ثالثاً، التصعيد المفتوح إذا ما نجح النظام الإيراني في تجنب الانهيار وأعاد تماسكه، أو إذا وظف الورقة الحوثية في نهاية الصراع لتحسين موقفه التفاوضي في حال نجحت المساعي الدبلوماسية وأدت إلى مرحلة تفاوض.
ما تغير الآن هو مستوى الإعلان الحوثي. فالانتقال تم من الصمت إلى إشارات الحرب المحسوبة، ومن الغموض إلى رسم حدود عريضة للتحركات المحتملة. وهذا في حد ذاته يمنح المليشيات الحوثية أوراق ضغط في التفاوض مع دول التحالف، ويربط استقرار اليمن بشكل مباشر بأي ترتيبات أمنية تُعقد للمنطقة.
البيان لا يعكس رغبة في إشعال الحرب بقدر ما يعكس محاولة لإدارتها بشروط جديدة. فالحوثيون لم يعلنوا الدخول في الحرب، لكنهم أعادوا رسم حدودها، ووضعوا أنفسهم في المعادلة الإقليمية طور التشكل كعنصر مؤثر فيها.