من الدبلوماسية إلى الأمن قراءة في ابعاد زيارة الرئيس العليمي الى جيبوتي
2026/05/10 - الساعة 01:08 صباحاً
تتجاوز أهمية زيارة الرئيس الدكتور رشاد العليمي إلى جيبوتي، الإطار الدبلوماسي الأعتيادي الذي تسرده عادة في البيانات الرسمية. فالزيارة لا يمكن اختزالها في المشاركة بمراسم تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله، أو عقد لقاءات مع قادة إقليميين في القرن الإفريقي، لكنها تعكس إعادة ترتيب لموقع اليمن في الاطار الأمني للبحر الأحمر وممر باب المندب، حيث تلتقي المصالح الإقليمية والدولية في جغرافيا شديده الاهميه.
في ظاهر الزياره، يبرز تلازم بين الحراك السياسي الدولي، والتحولات المتطورة في بيئة الأمن البحري. وهنا يظهر البحر الأحمر كممر ملاحي استراتيجي، تتداخل فيه اعتبارات الأمن الدولي، وتنافس القوى الإقليمية، وتنامي دور الفاعلين غير الدوليين.
وهنا، تحتل جيبوتي في الضفة الافريقية موقع مركزي، بوصفها نقطة ربط جغرافية ولوجستية بين اليمن والخليج والقرن الإفريقي، إضافة إلى تواجد قواعد عسكرية أجنبية مختلفة، تمنحها ثقلاً يتجاوز حجمها الجغرافي.
ضمن هذا الاطار، يمكن قراءة الزيارة اليمنية بوصفها محاولة لإعادة تثبيت حضور الدولة اليمنية في مقاربات أمن البحر الأحمر. فبعد سنوات من تراجع المؤسسات الرسمية وتعدد مراكز القوة داخل اليمن، باتت المشاركة الخارجية أداة لإعادة التأكيد على وجود الدولة في المجال الإقليمي. هذا الحضور لا يقتصر على الخطاب السياسي، وانما يتجلى أيضاً في تركيبة الوفد المرافق، التي عادة تكشف عن طبيعة الأولويات الفعلية للزيارات.
يمثل وجود الفريق الركن محمود الصبيحي في الوفد بعداً يحمل دلالة خاصة. فالرجل ينحدر من مناطق الصبيحة في محافظة لحج، وهي جغرافيا ترتبط بالامتداد الغربي الجنوبي المطل على مضيق باب المندب وجزيرة ميون. هذا الامتداد ليس تفصيل ثانوي، بقدر ما هوعنصر أساسي في أي ترتيب يتعلق بالأمن البحري، لأحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. كما أن خلفيته العسكرية تربطه مباشرة بملفات الساحل الجنوبي الغربي وترتيباته الأمنية.
هذا التكوين يعكس إدراك لدى القيادة اليمنية، بأن باب المندب لا يمكن التعامل معه كملف دبلوماسي، وانما كمنطقة أمنية تلاقي فيها الجغرافيا المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية أصبح جزء من معادلات الأمن البحري، التي تناقش دوليا من واشنطن إلى الرياض وأبوظبي وعواصم القرن الإفريقي.
وفي ذات المنطق، يكتسب وجود رئيس جهاز أمن الدولة اللواء الدكتور محمد عيضة دلالة إضافية. فمرافقة مسؤول استخباري بهذا المستوى لرئيس دولة في زيارة ذات طابع احتفالي؛ تشير إلى وجود ملفات أمنية موازية للنقاشات البروتوكوليه. هذا الحضور يعكس احتمال تناول قضايا تتعلق بتبادل المعلومات، والتنسيق الأمني، والتعامل مع تهديدات البحر الأحمر وخليج عدن، خصوصاً في ظل وجود تنسيقات بين أنشطة الجماعات الارهابيه مع شبكات التهريب.
فهذه الأبعاد الأمنية؛ دوما لا تقتصر على الداخل اليمني، لكنها قد تمتد إلى نطاق إقليمي يشمل الصومال والقرن الإفريقي، حيث تتداخل مصالح دول مختلفه في مواجهة التهديدات عابرة للحدود. ويعزز ذلك اللقاء الذي جمع، فخامه الرئيس رشاد العليمي بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، والذي ركز على مكافحة الإرهاب ،والتنسيق الأمني، وحماية الملاحة الدولية، في إشارة إلى إدراك مشترك بأن التهديدات لم تعد محصورة داخل حدود دولة بعينها.
في هذا السياق، يعكس التناول الرسمي ل مصطلحات مثل “المليشيات المسلحة العابرة للحدود”، محاولة لإعادة صياغة توصيف التهديدات ضمن الاطار الإقليمي. هذا التوصيف يدرج الحوثيين ضمن شبكات التهريب، ونشاطات الارهاب العابر للحدود، بما يتجاوز التصنيف المحلي الضيق.
أما وجود اللواء صالح المقالح، مدير مكتب رئاسة مجلس القيادة، فيعكس بعد إضافي، مرتبط بطبيعة موقعه السابق والحالي داخل المنظومة الأمنية وعلاقاتة الخارجية. فمثل هذه الشخصيات غالباً ما تؤدي أدواراً وسيطة بين القرار السياسي والملفات الأمنية الحساسة، بما يشمل التنسيق مع الشركاء الدوليين.
عند دمج هذه العناصر والمعطيات، يتضح أن تشكيل الوفد لم يكن بروتوكولياً، بقدر ماهو وظيفياً يرتبط بملفات مهمة؛ باب المندب كمنطقة أمنية، والأمن البحري كملف استخباري، والعلاقات الخارجية كإطار سياسي. هذا التكوين يعكس إدراك بأن اليمن، رغم أزماته الداخلية، لا يزال طرف مهم في معادلة الأمن الإقليمي.
من جهة أخرى، تحتل جيبوتي موقع بالغ الاهميه في هذه المعادلة. فهي تستضيف وجود عسكري أمريكي فرنسي، بالاضافة الى القاعدة العسكرية الصينية، وهي القاعدة الوحيدة بالعالم خارج دون الدولة الصينية، وتلعب دور أساسي في مراقبة وتأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم. هذا الوضع يجعل أي تواصل مع جيبوتي ذات بعد يتجاوز العلاقات الثنائية، ويدخله ضمن سياق ترتيبات الأمن الإقليمي والدولي.
وهنا، فإن الحديث عن “تعزيز التعاون” و”تبادل وجهات النظر” في البيانات الرسمية لا يعكس سوى السطح الظاهر لنقاشات أعمق تتعلق بترتيبات الأمن البحري في البحر الأحمر. فالدول المطلة على هذا الممر تدرك أن أي اضطراب فيه، ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، ما يفسر تزايد الاهتمام الدولي بهذا الملف.
في موازاة ذلك، يظل البعد الأمريكي حاضر بشكل واضح. فلقاء الرئيس رشاد العليمي مع السفير الأمريكي، وما تضمنه من إشارات إلى التهديدات الإيرانية والحوثيين، يعكس توافق في الرؤية بشأن طبيعة التهديدات في البحر الأحمر، حتى وإن لم يكن هذا التقاطع كاملاً من حيث الأدوات أو المقاربات.
في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى زيارة جيبوتي باعتبارها جزء من تفاعل بين ثلاثة مستويات مترابطة؛ المستوى الداخلي اليمني المرتبط بإعادة تنظيم المؤسسات، والمستوى الإقليمي الذي يتمحور حول القرن الإفريقي والبحر الأحمر، والمستوى الدولي الذي تقوده قوى كبرى معنية بأمن الممرات البحرية.
ويبرز في الخطاب للزيارة مفهوم “الأمن الجماعي”، الذي يعكس إدراكاً بأن التهديدات البحرية لا يمكن التعامل معها بشكل منفرد، وانما عبر تنسيق دولي واقليمي. غير أن نجاح هذا التصور يظل مرهون بقدرة الدولة على تقديم نفسها كطرف موثوق وقادر على الالتزام المؤسسي.
فعلى المستوى الداخلي، تحمل الزيارة رسالة سياسية تتعلق بإبراز قدرة الدولة اليمنية على التحرك خارج حدودها رغم التحديات. فوجود وفد يضم قيادات عسكرية وأمنية، رفيعة المستوى يعكس محاولة لإظهار مستوى من التماسك المؤسسي، حتى في ظل الانقسامات الداخلية.
لكن هذا التصور؛ يصطدم بواقع معقد يتمثل في تعدد مراكز القوى العسكرية والسياسية داخل اليمن، ما يحد من القدرة على صياغة سياسة موحدة. ومع ذلك، فإن الزيارة تعكس محاولة ولو نسبية، لإعادة إدماج اليمن في الترتيبات الإقليمية المرتبطة بأمن البحر الأحمر.
ويمكن النظر إلى زيارة جيبوتي كجزء من مسار إعادة تعريف موقع اليمن في الامن الإقليمي. مسار يقوم على الربط بين الجغرافيا الاستراتيجية لباب المندب، وطبيعة التهديدات الارهابيه العابرة للحدود، والحاجة إلى تنسيق إقليمي ودولي.
غير أن هذا المسار لا يزال في بداياته، ويظل مشروط بقدرة الدولة اليمنية على تحقيق قدر من التماسك المؤسسي، وبمدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية للتعامل مع اليمن ليس فقط كملف أزمة، وانما كطرف في معادلة أمن بحري تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي.