في أوقات الأزمات والحروب، تتصاعد المطالب وتتعدد الآراء بشأن توقيت اتخاذ القرارات، ولا سيما تلك المتعلقة بالملف العسكري. وهذا أمر طبيعي في المجتمعات الحية، إلا أن إدارة الدولة لا يمكن أن تُختزل في ردود الأفعال أو في ضغوط الرأي العام، لأن القرارات السيادية ترتبط بحسابات وطنية واستراتيجية تتجاوز ما يظهر على السطح.
الدولة الحديثة تُدار عبر مؤسسات دستورية، وضمن منظومة متكاملة من الصلاحيات والمسؤوليات. ويأتي رئيس الدولة، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، في قمة هرم هذه المنظومة، حيث تُتخذ القرارات العسكرية والأمنية من خلال قيادة موحدة ومركز قرار موحد، بما يضمن وحدة التوجيه وتكامل الجهود، ويحافظ على الانضباط المؤسسي الذي يمثل أحد أهم عوامل نجاح الدول في إدارة الصراعات.
إن توقيت أي قرار سيادي أو عسكري لا يخضع للعاطفة أو لضغوط اللحظة، بل يستند إلى تقدير دقيق للواقع، يشمل الجاهزية العسكرية، والظروف الميدانية، والاعتبارات السياسية، والمتغيرات الإقليمية والدولية، إضافة إلى حسابات تتعلق بتحقيق الأهداف الوطنية بأقل التكاليف الممكنة. ولهذا، فإن ما يراه البعض تأخيرًا قد يكون، في الحقيقة، جزءًا من إدارة استراتيجية تهدف إلى اختيار التوقيت الأكثر ملاءمة لتحقيق النتائج المرجوة.
ومن المهم التمييز بين حق المواطنين في إبداء الرأي ومتابعة الشأن العام، وبين مسؤولية مؤسسات الدولة في اتخاذ القرار. فوسائل التواصل الاجتماعي، على أهميتها في نقل الآراء، لا يمكن أن تكون بديلًا عن غرف التقدير الاستراتيجي أو المؤسسات المختصة باتخاذ القرارات السيادية.
إن قوة الدولة لا تُقاس بسرعة اتخاذ القرار، وإنما بسلامة القرار وفاعليته. كما أن نجاح أي عملية عسكرية أو سياسية يعتمد على وحدة القيادة، وتماسك المؤسسات، واحترام التسلسل القيادي، والالتزام بالتخطيط والتنسيق والعمل المشترك. فالتجارب تؤكد أن تعدد مراكز القرار أو الانسياق خلف الضغوط الآنية يؤدي غالبًا إلى إضعاف الدولة، بينما تمثل وحدة القرار أحد أهم عناصر قوتها واستقرارها.
إن بناء الدولة مشروع طويل يقوم على سيادة القانون، واحترام المؤسسات، وترسيخ ثقافة الانضباط والعمل الجماعي. فالدول لا تُدار بالاجتهادات الفردية، ولا بالشعارات، وإنما بالرؤية، والتخطيط، والمؤسسية، والقدرة على الموازنة بين مقتضيات الأمن ومتطلبات السياسة، وبين سرعة القرار وجودته.
وفي ظل التحديات التي تواجهها بلادنا، فإن تعزيز الثقة بمؤسسات الدولة، ودعم وحدة القرار، والالتفاف حول القيادة الشرعية، يمثل ضرورة وطنية للحفاظ على تماسك الدولة وتعزيز قدرتها على حماية مصالحها وتحقيق أهدافها. فالمصلحة الوطنية تظل البوصلة التي ينبغي أن توجه الجميع، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه الدول، وتنتصر به في مواجهة الأزمات والتحديات.