منذ سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء في عام 2014، لم يعد مسار اليمن محصورًا داخل حدوده، بل أخذ يتجه تدريجياً ليصبح عاملاً مؤثراً في تشكيل مستقبل الأمن في المنطقة والقرن الأفريقي. هذا التحول يرتبط بعوامل جغرافية بقدر ما يتصل بالتحولات السياسية، فامتداد الساحل اليمني وإشرافه المباشر على مضيق باب المندب يضعانه في موقع يتحكم بأحد أهم مسارات التجارة العالمية. ومع مرور الوقت، لم يعد اليمن مجرد ساحة نزاع داخلي، بل تحول إلى عنصر فاعل في معادلة أمنية أوسع.
لم يحدث هذا التحول بصورة مفاجئة. في مراحله الأولى، بدا تأثيره محدوداً على الحياة اليومية، حيث استمرت مؤسسات الدولة في أداء وظائفها الأساسية رغم الضغوط. لكن مراكز القرار أخذت تتحول تدريجياً، وتراجعت أدوار القادة السياسيين والنخب التقليدية، وبرز نمط مختلف في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. هذا التغير تقدم بشكل متدرج، ما أتاح ترسيخ واقع جديد دون صدام شامل في بدايته.
مع انطلاق العمليات العسكرية للتحالف العربي بقيادة الرياض في مارس 2015، والمساندة للقيادة الشرعية اليمنية. ساد اعتقاد بإمكانية الحسم السريع، إلا أن تطورات الميدان قادت إلى مسار مختلف. الحرب امتدت لعقد من السنوات، وأدت إلى إعادة توزيع موازين القوة دون إنهاء السيطرة الحوثية في الشمال، في حين لم يتمكن الجنوب من تحقيق استقرار دائم. وخلال ذلك، حافظ الحوثيين على تماسكهم التنظيمي، وواصلوا في تطوير أدواتهم ضمن استراتيجية طويلة.
غياب المسار السياسي الواضح خلال هذه الفترة أتاح إعادة ترتيب الأولويات. تحول الحوثيين من فاعل مسلح انقلب على مؤسسات إلى سلطة أمر واقع تدير موارد محلية، وتبني قدرات عسكرية بدعم من طهران مقارنة بمرحلة ما قبل الحرب. في الوقت نفسه، تعمقت علاقتها بإيران في مجالات التدريب ونقل الخبرات، خصوصًا في تقنيات الصواريخ والطائرات المسيّرة، مع استمرار الخطاب الذي يؤكد استقلال القرار السياسي.
مع تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة بعد حرب غزة 2023، دخل اليمن مرحلة أكثر تداخلًا مع محيطه. استهداف الملاحة في البحر الأحمر وإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل أعادا وضع اليمن في قلب الاهتمام الدولي المرتبط بأمن الممرات البحرية. عاد مضيق باب المندب ليبرز كنقطة اختناق حيوية، حيث يمر جزء مهم من التجارة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الأسواق الإقليمية والدولية.
التصعيد المرتبط بالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في عام 2026 أضاف بعدًا جديدًا. إعلان الحوثيين الاستعداد للرد دون الانخراط الفوري يعكس نمطًا قائمًا على الحسابات الدقيقة، حيث يرتبط التوقيت بتقدير الكلفة والقدرة على الاستمرار. هذا السلوك يشير إلى إدارة محسوبة للتصعيد، توازن بين الحضور السياسي وتجنب استنزاف القدرات.
البيانات العسكرية الأخيرة للحوثيين لا تمثل تحولًا مفاجئًا بقدر ما تعكس وضوحًا أكبر في الخطاب. الانتقال من التلميح إلى تحديد شروط التدخل يؤسس لصيغة أقرب إلى قواعد اشتباك غير معلنة، تربط أي تحرك بتطورات إقليمية محددة، مع الإبقاء على هامش للمناورة.
الربط بين باب المندب ومضيق هرمز يعكس توجهًا لتوسيع نطاق التأثير، ومنع حصر التوتر في نطاق جغرافي ضيق. هذا الربط يضع اليمن في قلب معادلة تمتد إلى القرن الأفريقي، حيث تعتمد دول مثل جيبوتي وإريتريا والصومال على استقرار الملاحة في البحر الأحمر. أي تغير في هذا المسار ينعكس مباشرة على اقتصاداتها واستقرارها الداخلي.
في هذا الإطار، يظل ميناء الحديدة عنصرًا محوريًا. أهميته لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت جزء من التوازنات العسكرية والسياسية. ومع تراجع آليات الرقابة الدولية، برزت ترتيبات جديدة زادت من حساسية الميناء ضمن الحسابات الإقليمية.
على الضفة المقابلة، تتابع دول القرن الأفريقي هذه التطورات بشكل مستمر. تعتمد موانئها على تدفق التجارة عبر البحر الأحمر، وأي اضطراب في باب المندب يؤثر على إيراداتها واستقرارها. في الوقت نفسه، تستمر حركة غير رسمية بين السواحل اليمنية وتلك الدول، سواء في التهريب او التجارة أو تنقل الأفراد، رغم القيود المفروضة.
هذا الترابط البحري يخلق صلة يومية بين اليمن والقرن الأفريقي. أنشطة الصيد والتبادل التجاري المحدود تشكل حالة من التفاعل، تتأثر مباشرة بأي تغير في مستوى التوتر أو إجراءات الرقابة. هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تلعب دورًا في استمرار الحركة الاقتصادية.
يتجاوز هذا التداخل البعد الأمني المباشر ليؤثر في طريقة نظر دول القرن الأفريقي إلى اليمن. لم يعد يُنظر إليه كجار مضطرب فقط، بل كعامل مؤثر في استقرار الموانئ ومسارات التجارة والتوازنات الداخلية. هذا الإدراك دفع بعض هذه الدول إلى تعزيز حضورها البحري وتطوير أشكال من التنسيق الأمني لحماية سواحلها، في ظل غياب إطار شامل لأمن البحر الأحمر.
في الوقت ذاته، فتح هذا الواقع المجال أمام حضور دولي أوسع، سواء عبر قواعد عسكرية أو اتفاقيات أمنية مع دول المنطقة. هذا الحضور يعكس أهمية الممرات البحرية، لكنه يضيف أيضًا مستوى إضافيًا من التعقيد نتيجة تقاطع مصالح قوى متعددة في نطاق جغرافي محدود.
بالنسبة لليمن، يخلق هذا التداخل فرصاً وتحديات في آن واحد. الموقع الجغرافي يمنحه تأثيرًا في معادلات إقليمية أوسع، لكنه يضعه أيضًا تحت ضغط مستمر نتيجة تداخل الأجندات الدولية. إدارة هذا الوضع تتطلب موازنة دقيقة، تقلل كلفة الانخراط في الصراعات وتحافظ على قدر من الاستقرار الداخلي.
اقتصاديًا، تتزايد الضغوط. ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يرفع كلفة الواردات، ما ينعكس على أسعار الغذاء والوقود. يظهر ذلك بوضوح في الأسواق المحلية والدولية، حيث تتراجع القدرة الشرائية وترتفع تكاليف المعيشة.
كما أصبحت سلاسل الإمداد أقل استقرارًا، مع تأخر الشحنات وارتفاع تكاليف النقل. في صنعاء يظهر ذلك في أسعار الوقود والسلع الأساسية، وفي عدن من خلال تقلبات سعر الصرف، وفي تعز عبر ارتفاع كلفة النقل نتيجة تعقيدات الطرق، بينما تتأثر مأرب بأي اضطراب في الإنتاج أو البنية التحتية.
هذا الواقع يعكس ترابط العوامل المختلفة. الاقتصاد والأمن والسياسة تتداخل بشكل مباشر، ما يجعل أي مسار للتسوية أكثر تعقيدًا، حيث يرتبط التقدم السياسي بقدر من الاستقرار الإقليمي والاقتصادي.
في هذا الإطار، يسعى الحوثيين إلى الحفاظ على موقعهم دون الانخراط في مواجهة واسعة، مع الاعتماد على أدوات ضغط محددة على دول الاقليم، وتُستخدم في توقيتات محسوبة. في المقابل، تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، تحديات تتعلق بالموارد والقدرة على الإدارة، بينما تعيد الأطراف الإقليمية تقييم خياراتها، وتنظر القوى الدولية إلى اليمن من زاوية أمن الطاقة والممرات البحرية.
تباين المصالح بين هذه الأطراف يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمرًا معقدًا، مقارنة بخوض الأطراف معركة عسكرية بتوجه إقليمي ودولي. لكن من الواضح ان كل طرف يتحرك وفق أولوياته. في هذا المشهد، لا يقتصر دور اليمن على التفاعل مع التطورات، وانما يساهم في تشكيلها، خاصة في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. الجغرافيا تمنحه هذا الدور، لكن كيفية توظيفه تبقى مرتبطة بالتوازنات الداخلية والإقليمية.
خلال المرحلة القادمة، سيعتمد مسار الأمن في القرن الأفريقي بدرجة كبيرة على كيفية إدارة هذا التداخل. أي تصعيد في اليمن غير محسوب قد يفاقم الضغوط الداخلية ويؤثر على استقرار الممرات البحرية، في حين قد يفتح خفض التصعيد المجال لمعالجة القضايا الأساسية. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على تحول كبير، ما يرجح استمرار النمط القائم، وبقاء اليمن عنصرًا مؤثرًا في معادلة الأمن الإقليمي.
اتجاهات ومسارات
تشير التطورات الأخيرة في اليمن والمنطقة إلى أن الحوار غير المعلن، بقيادة دول رئيسية مثل مصر والسعودية، يمثل أداة أساسية لضبط التوترات. تهدف هذه الدول إلى تأمين الممرات البحرية وضمان استمرار حركة التجارة الدولية، مع الحد من أي تصعيد مباشر. تركز الجهود الإقليمية والمشاورات الأمنية مع الأطراف المحلية والإقليمية على الحفاظ على استقرار الملاحة في البحر الأحمر وحماية المصالح الحيوية للمنطقة.
على المستوى العسكري، من المتوقع أن تلعب مصر دوراً في تأمين البحر الأحمر وحماية حركة التجارة العالمية، دون الانخراط المباشر في الصراع اليمني الداخلي. تشمل الإجراءات الانتشار البحري ومراقبة أي نشاط يهدد الاستقرار، بالتنسيق مع قيادة التحالف العربي ودول القرن الأفريقي، بما يعزز قدرة المنطقة على مواجهة أي تهديد محتمل.
أما القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، فإن جاهزيتها لأي مواجهة لإنهاء سيطرة الحوثيين تتصل بإطار أوسع للأمن الإقليمي. تشمل الخطط العسكرية استعادة السيطرة على المحافظات الحيوية مثل الحديدة والبيضاء والجوف وأجزاء من مأرب وتعز، مع الحرص على عدم تعطيل حركة التجارة والخدمات الأساسية. تهدف هذه التحركات إلى تحقيق التوازن بين مواجهة التهديد المباشر وضمان استقرار المناطق المحررة.
يمكن تصور عدة مسارات مستقبلية. يشير المسار الأول إلى الاستقرار الإقليمي التدريجي، حيث يتم ضبط التوترات من خلال تفاهمات سعودية-مصرية غير معلنة مع الحوثيين، تسمح باستمرار الملاحة والتجارة، مع دعم الاستقرار المحلي. المسار الثاني يتضمن تصعيداً متقطعاً يظهر في توترات محددة بالموانئ أو محاولات تعطيل حركة البحر، ويتطلب إدارة دقيقة للمصالح الإقليمية والدولية. المسار الثالث يرتبط بتدهور الوضع الأمني نتيجة الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، ما قد يؤثر مباشرة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي ويدخل المنطقة في مواجهة أوسع.
أما المسار الرابع، فيتعلق بتحولات محتملة في موقف الحوثيين تجاه إيران. في حال شعورهم بانهيار النظام الإيراني، قد يسعى الحوثيون لفتح تفاهمات مع دول التحالف ومصر، وطلب وقف أي عمليات عسكرية ضدهم، سواء من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. في المقابل، من المتوقع أن يقوم الحوثيون بفك ارتباطهم بطهران والموافقة على الدخول في عملية سلام. ومع ذلك، يظل هذا المسار مرحلياً، إذ يشترط أن تسبق أي عملية سلام عملية عسكرية محددة لإنهاء التهديد الحوثي وضمان عدم استمرار أي نفوذ إيراني في اليمن.
إدارة هذه المسارات تتطلب تنسيقاً وثيقاً بين الفاعلين المحليين والإقليميين، ودعماً للرقابة على الموانئ، وضمان استمرار التجارة والأمن البحري، مع تعزيز الحوار السياسي لتقليل أي تصعيد محتمل. يمثل التركيز على التفاهم الإقليمي وتوحيد جهود الرقابة البحرية عاملاً مهماً أمام أي تغييرات غير متوقعة.
يبقى اليمن عنصراً محورياً في أمن البحر الأحمر والممرات التجارية للمنطقة والقرن الأفريقي. مساره المستقبلي مرتبط بقدرة الأطراف على ضبط التوترات وتنسيق مصالحها. أي تصعيد إضافي سيكون له أثر مباشر على حركة التجارة والأمن الإقليمي، في حين يوفر التعاون بين الفاعلين الإقليميين والمحليين فرصة لتقليل المخاطر وتعزيز الاستقرار.