الحنين إلى عهد الطاغية
في خضمّ الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها كثيرٌ من الدول العربية اليوم، يتردد على ألسنة البعض خطابٌ يحمل قدراً كبيراً من الحنين إلى الماضي، إلى زمنٍ يصفونه بالاستقرار والانضباط والرخاء، زمن الطغاة الفاسدين الذين حكموا بقبضة من حديد وأفسدوا وتجبروا.
 
يذهب هؤلاء الذين أرهقهم الحنين إلى المقارنة بين تردي الأوضاع الراهنة وبين ما يتخيّلونه من أيامٍ كانت أفضل في ظل تلك الأنظمة، مرددين عبارات من قبيل: رحم الله صدام حسين، أو ليت أيام معنر القذافي تعود، أو سلام الله على علي صالح، أو آسفين يا حسني مبارك، أو رعا الله أيام زين العابدين بن علي أو أين أيامك يا عمر البشير.
 
هذه المقارنة، سطحية ومضللة، فهي تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن ما نعيشه اليوم، بكل ما فيه من أزمات واضطرابات، ليس إلا امتداداً طبيعياً لتراكمات تلك الحقبة الاستبدادية. فالأنظمة السلطوية لم تترك وراءها دولاً قوية أو مؤسسات راسخة، بل أورثت مجتمعاتٍ هشّة واقتصاداتٍ مختلّة ونخباً فاسدة وثقافة سياسية قائمة على الخوف والتبعية والفساد والإفساد. وعليه، فإن الحاضر، بكل عثراته، هو نتيجة مباشرة لماضٍ لم يُعالج كما ينبغي، ولم تُفكك بنياته العميقة.
 
إن إرث الطغيان لا يزول بسقوط الحاكم، بل يظل متغلغلاً في مؤسسات الدولة، وفي العلاقات الاجتماعية، وفي ذهنية الأفراد. لذلك فإن تأثير عهد الطاغية يمتد إلى سنوات طويلة بعد رحيله، ويستمر في تشكيل معيشة الناس وتحديد سقف تطلعاتهم.
 
ما نراه من تعثر في مسارات الانتقال السياسي أو من خيبات أمل في التجارب الديمقراطية ليس دليلاً على فشل الحرية، بل على عمق الخراب الذي خلّفه الاستبداد.
 
أما الحنين الذي يبديه البعض، فله تفسيرات متعددة، لا تخلو من دلالات نفسية واجتماعية وسياسية، ففئة من هؤلاء هم في الواقع من صنائع تلك السلطات المستبدة؛ وقد كانوا جزءاً من شبكاتها الزبائنية، واستفادوا من قربهم من السلطة، سواء في شكل مناصب أو امتيازات أو نفوذ...إلخ. ومع سقوط تلك الأنظمة، فقدوا مواقعهم ومصالحهم، فتحوّل الحنين عندهم إلى تعبير عن خسارة شخصية، لا عن تقييم موضوعي لتلك المرحلة.
وهناك فئة أخرى نشأت في ظل تلك الأنظمة، ولم تعرف غيرها، فتشكّل وعيها السياسي والاجتماعي داخل إطارها. وذلك الماضي بالنسبة لهؤلاء، يبدو مألوفاً ومفهوماً، بينما يبدو الحاضر معقداً ومربكاً. فهم يحنّون إلى ما اعتادوه، لا لأنه أفضل، بل لأنه أوضح وأقل غموضاً في نظرهم.
 
كذلك لا يمكن إغفال البعد النفسي في هذا الحنين؛ إذْ يعكس لدى بعض الأفراد نزعةً إلى البحث عن الأب الحامي، حتى وإن كان متسلطاً مستبداً، فالسلطة القوية، رغم قسوتها، تمنح شعوراً زائفاً بالأمان والانضباط، وهو ما يفتقده البعض في فترات التحول والاضطراب. من هنا، يصبح الحنين إلى الطاغية تعبيراً عن هشاشة نفسية وعجز عن التكيّف مع واقع يتطلب قدراً أكبر من المسؤولية والحرية.
 
إن مواجهة هذا الخطاب لا تكون بمجرد رفضه أو السخرية منه، بل بتفكيك أسبابه وكشف جذوره، فبناء مستقبل أفضل يمرّ عبر فهم صادق للماضي، والاعتراف بأن الاستبداد، مهما بدا مستقراً في ظاهره، كان ينخر المجتمعات ويجرف الحياة ويدمر الإنسان وفي الوقت نفسه كان يحمل في داخله بذور الانهيار. كما يتطلب ذلك العمل الجاد على إصلاح المؤسسات وتعزيز العدالة وترسيخ ثقافة سياسية جديدة تقوم على المشاركة والمساءلة.
 
قد تكون الحرية مكلفة، ومليئة بالتحديات، لكنها تبقى الطريق الوحيد نحو كرامة الإنسان واستقرارٍ حقيقي لا يقوم على الخوف، بل على الثقة والعدالة.