الجنرال الذي حول ثكنة البندقية إلى عقيدة القلم، ومحراب العلم

في زمنٍ تُختزل فيه القيادة غالباً في صليل السيوف ولغة الأوامر الصارمة، يبرز القائد عبد الرحمن عسكر كظاهرة فكرية وسياسية تستحق التأمل. ظاهرة تعيد صياغة العلاقة بين "الثكنة" و"الجامعة"، وبين "الجندي" و"المستقبل".

 

إن ما صنعه في معسكر بدر لم يكن مجرد تدبير لوجستي لـ 450 طالباً، بل كان استشرافاً سياسياً عميقاً يدرك أن حماية الأوطان لا تكون بمتاريس الرصاص وحده، بل بمتاريس العقول. لقد قدّم عبد الرحمن عسكر نموذجاً فريداً للنزاهة التي لا تكتفي بنظافة اليد، بل تمتد لتكون "نزاهة الموقف".

 

حين يقايض القائد بقاءه في منصبه أو سلامة إمدادات لوائه مقابل استمرار المسيرة التعليمية لطلابه، فنحن أمام سياسي يمارس "أخلاق القوة" لا "قوة الأخلاق" المجردة، إن رفضه تسليم المعسكر إلا بضمانات مكتوبة تحمي مستقبل هؤلاء الشباب، هو فعل سياسي بامتياز، يثبت أن الانتماء الوطني عنده ليس شعاراً يُرفع، بل هو مسؤولية أخلاقية تتقدم على الرتبة والمكاسب الضيقة. من أي كوكب أتى؟ يسأل البعض.

 

والحقيقة أنه أتى من صميم المعاناة الوطنية، حاملاً رؤية فلسفية مفادها أن الجندي هو إنسان قبل أن يكون أداة تنفيذية،إن تحويل جزء من ثكنة عسكرية إلى "أكاديمية حية" توفر السكن، الغذاء، الكهرباء، وحتى "طابعات الأوراق"، هو كسر للنمط الكلاسيكي للعسكرية الجامدة. لقد استطاع عسكر أن يحول المعسكر من منطقة "خوف وضبط" إلى منطقة "تنوير ورعاية"، متجاوزاً بذلك عجز المؤسسات الأكاديمية والوزارية، ليثبت أن "الكفاءة" هي ابنة الإرادة الصادقة وليست ابنة الميزانيات الضخمة.

وتكريم رئيس جامعة عدن لهذا القائد يحمل دلالة سياسية كبرى؛ فهي اعتراف بأن الأمن الحقيقي هو الذي يحمي القلم كما يحمي الحدود. عندما يرفض عسكر الرضوخ لسياسة "توقيف الإمداد" ويواجه الضغوطات من أجل بقاء الطلاب في سكنهم، فإنه يضع مصلحة الوطن العليا – المتمثلة في شبابه – فوق أي اعتبار تراتبي.

 

هذا هو "التفاني" في أسمى صوره: أن تجعل من صدرك درعاً يحمي أحلام البسطاء من تقلبات السياسة وعواصف القرارات المرتجلة، لم يكن بكاء الطلاب عند بوابة معسكر بدر مشهداً عابراً، بل كان "استفتاءً شعبياً" على رمزية هذا القائد.

 

إن تلك الدموع هي الشهادة الأصدق على أن القيادة ليست رتباً توضع على الأكتاف، بل هي أثرٌ يُنقش في القلوب. رحل عسكر إلى جبهات الضالع بكتيبته، لكنه ترك خلفه 450 "سفيراً للتنوير" سيظلون يذكرون أن هناك قائداً عسكرياً آمن بأن "البندقية التي لا يحميها عقل هي بندقية عمياء".

فتجربة القائد عبد الرحمن عسكر تضعنا أمام استحقاق فكري جديد: كيف نبني مؤسساتنا على قاعدة الوفاء للإنسان؟ إن الوطن الذي ينجب أمثال هؤلاء القادة، الذين يربطون بين الانتماء والنزاهة، وبين القوة والرحمة، هو وطن لا ينكسر.

 

عبد الرحمن عسكر لم يرمم جدران المباني فحسب، بل رمم الأمل في نفوس جيل كامل، مؤكداً أن "الدنيا بخير" طالما أن فينا من يرى في نجاح الطالب نصراً عسكرياً لا يقل أهمية عن تحرير الأرض.