أبعاد الاستقرار في الجنوب اليمني

يمر اليمن عموما والمناطق المحررة، خصوصاً المحافظات الجنوبية بتحولات جذرية في طبيعة السلطة، إذ لم تعد السيطرة العسكرية هي المعيار الوحيد للنفوذ والاستقرار، وانما أصبح الأداء المؤسسي وإدارة الموارد العامة وتوفير الخدمات الأساسية مؤشرات رئيسية للشرعية السياسية والقدرة على الحكم. 

هذا التحول يعكس فرضية القوة الذكية في إدارة الدولة، التي ترى أن النفوذ السياسي لم يعد يُقاس بالقوة التقليدية وحدها، وانما بتوظيف الموارد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضمن أطر مؤسسية تعزز الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي. في هذا الإطار، يمثل الجنوب نموذج واقعي لتطبيق النظرية الاشتراكية الحديثة للسلطة، التي تربط بين الأداء المؤسسي وتحقيق العدالة الاجتماعية والموازنة بين المركز والهوامش، هذه النظرية تعزز من حضور الدولة ومؤسساتها وتلغي الاستقواء على الدولة بمنطق القوة والعوامل الأخرى مثل الجهوية والمناطقية والكيانات الموازية.

أن تشكيل حكومة جديدة برئاسة الدكتور شائع الزنداني، المنحدر من محافظة الضالع، ستواجه تحدي مزدوج يتمثل في إدارة الموارد بكفاءة، وضبط الفاعلين المحليين بما يضمن استقرار المحافظات الجنوبية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على توازن دقيق مع النفوذ الإقليمي والدولي. فالسعودية تركز على دعم الحكومة لضمان سيطرة الدولة على المحافظات الشرقية وربطها بخطوط الطاقة والاستثمار، بينما تسعى الإمارات لتعزيز نفوذ المجلس الانتقالي الذي خسر نفوذه في معاقلة التقليدية، وذلك بإعادة صياغة نمط المواجهة دون الظهور والتواجد المباشر وذلك من خلال استخدام ادوات وفاعلين في الحكومة ذاتها بشخصيات تتسم بالتوازن الهادئ والناعم، للسيطرة على الموانئ والمرافق الاقتصادية. هذا التفاعل يعكس نظرية التوازن متعدد الأطراف، التي تؤكد أن توزيع النفوذ بين الفاعلين الإقليميين يقلل من مخاطر النزاعات ويتيح الفرصة للحكم المؤسسي المستدام.

هنا ستظهر مدينة عدن، كبوابة اقتصادية وسياسية، تمثل تجربة لربط الأداء المؤسسي بالنفوذ السياسي. وإدارة المرافق والتحكم بالإيرادات يحول الاقتصاد إلى أداة للشرعية السياسية، فيما المشاريع التنموية والخدمات العامة مثل التعليم والصحة تعزز ثقة المواطن بالدولة. هذه الحالة تؤكد نظرية الاقتصاد السياسي للسلطة، التي ترى أن الأداء الاقتصادي الفاعل هو شرط أساسي لاستقرار الحكم ولتقييد الفاعلين الموازين الذين يسعون إلى النفوذ الموازي خارج إطار الدولة.

حضرموت، بمحاورها الملاحية وثرواتها النفطية، تُبرز أهمية إدارة الموارد بكفاءة لربط النفوذ السياسي بالمصالح الاقتصادية. وان إدارة الموانئ والموارد النفطية بشكل فعال يعزز حضور الشرعية السياسية ويؤكد فرضية أن الاستثمار في التنمية الاقتصادية والبنية التحتية هو أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وفق مقاربة التنمية المرتبطة بالأمن. ان الربط بين المشاريع الاقتصادية والخدمات العامة مثل الطرق والكهرباء والمياه يوضح أن الأداء المؤسسي ليس هدف إداري فحسب، وانما أداة استراتيجية لتحويل الموارد إلى نفوذ سياسي مستمر للدولة.

بينما محافظة المهرة، بموقعها الهام على البحر العربي وقرب مضيق هرمز، تبرز فيها العلاقة بين الأمن البحري والتنمية الاقتصادية. وتطوير الموانئ وتحسين الخدمات الأساسية يحول الاقتصاد المحلي إلى قوة مؤسسية، ويعكس تطبيق مقاربة الأمن والتنمية المتكامل، التي تفترض أن الإدارة الفعالة للموارد الحيوية تعزز النفوذ السياسي وتحمي المصالح الوطنية في مواجهة الضغوط الإقليمية.

و كمركز للثروة الطبيعية، فمحافظة شبوة توضح العلاقة بين الموارد الاقتصادية والنفوذ السياسي. كما أن إدارة النفط والغاز وتحويل الإيرادات نحو مشاريع تنموية وخدمات عامة تعزز شرعية الدولة، وتقلل من فرص التفكك أو السيطرة الموازية. هذه الاستراتيجية تعكس نظرية الاقتصاد السياسي للسلطة والنفوذ، التي تربط بين توزيع الموارد والشرعية السياسية والاستقرار الاجتماعي، وتوضح كيف يمكن للمؤسسات أن تصبح وسيلة لإعادة توزيع النفوذ بما يعزز العدالة والمصلحة العامة.

تتسم محافظة أبين، كواجهه الجنوب الداخلي، حيث تعكس أهمية التنمية المحلية في تحقيق الاستقرار بين المحافظات كونها حلقة وصل بين الشرق وعدن. فإن إدارة البنية التحتية والخدمات العامة تعزز قدرة الدولة على تقديم الخدمات، ودمج الفاعلين المحليين ضمن أطر رسمية قابلة للمساءلة يحمي السلطة من الانفراط، ويعكس فرضية الإدارة الاستراتيجية للموارد الاجتماعية والثقافية والسياسية، التي ترى أن دمج الأطراف المحلية في مؤسسات الدولة يعزز الاستقرار ويحول السلطة إلى قوة دائمة.

توضح التجربة في إدارة الجنوب أن المشاريع الاقتصادية والخدمات العامة ليست ملفات منفصلة عن السلطة، وانما أدوات مباشرة لتعزيز حضور الدولة وبناء الاستقرار. تشغيل الموانئ، واستثمار في مشاريع الطاقة، والطرق، والمرافق العامة تحول الموارد الاقتصادية إلى نفوذ سياسي دائم، فيما يعزز ربط الأداء الإداري بالخدمات الثقة الشعبية ويحد من قدرة القوى الموازية على التأثير السياسي. توظيف التكنولوجيا الرقمية لمتابعة الإيرادات والمشاريع ودمج الفاعلين المحليين ضمن أطر رسمية قابلة للمساءلة يعكس مبدأ الحكم القائم على الأداء ويحول النفوذ الاقتصادي إلى سلطة مؤسسية حقيقية.
في هذه الحالة يستوجب الدعم السعودي أن يتمركز في تشغيل ميناء عدن بكفاءة عالية، و مشاريع الطاقة وتشغيل المرافق اللوجستية في حضرموت والمكلا، وتطوير الموانئ الصغيرة في المهرة، ومساعدة الحكومة على تصدير النفط  وتعزيز البنية التحتية في شبوة وأبين. هذه الأمثلة تثبت فرضية أن ربط الأداء المؤسسي والخدمات والنفوذ الاقتصادي والسياسي يخلق استقرارًا طويل الأمد ويحد من النزاعات المحتملة، ويظهر كيف يمكن أن تتحول الموارد الاقتصادية إلى قوة سياسية قابلة للقياس والتطبيق العملي وفق مبادئ القوة الذكية وتوازن النفوذ متعدد الأطراف.

أمام الحكومة الجديدة تحقيق تحول استراتيجي مستدام هذا ويتطلب توحيد إدارة الموارد والموانئ وربطها بالميزانية العامة، ودمج القوة الأمنية مع الإدارة المدنية لضمان تقديم الخدمات وضبط الموارد، واستثمار التكنولوجيا الرقمية في الحوكمة والشفافية، ودمج الفاعلين المحليين ضمن أطر رسمية، وتحويل الخدمات الأساسية إلى أدوات لتعزيز الثقة الشعبية بالحكومة. وعلى الشركاء الإقليميين دعم هذا التحول من خلال ربط الدعم المالي والتنمية بأطر قابلة للقياس، وتعزيز القدرات الإدارية والمالية، وابتكار أدوات لضمان الاستقرار بعيدا عن تعميق الانقسامات.

نجاح الحكومة في تحويل السيطرة الميدانية إلى نفوذ مؤسسي مستدام يعني الانتقال من إدارة الصراع إلى ممارسة الحكم الفعلي، ووضع الجنوب على طريق الاستقرار طويل الأمد، مع نموذج حكم قادر على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية وأكثر قرباً من مصالح المواطنين والفاعلين المحليين.