تحرير الدولار الجمركي.. رصاصة في صدر المواطن

​في توقيت يغرق فيه المواطن اليمني بمناطق "الشرعية" وفي أتون أزمات معيشية طاحنة، وتدهور تاريخي غير مسبوق للاقتصاد.
تطل الحكومة برأسها لتُصدر قراراً يمثّل في جوهره "صدمة اقتصادية"  وهو في الواقع "انتحار اقتصادي" غير محسوبة العواقب.
 بتحرير سعر الدولار الجمركي ليرتفع دفعة واحدة من 750 ريالاً إلى 1555 ريالاً للدولار الواحد.

​هذا القرار، الذي يأتي تنفيذاً للقرار الرئاسي رقم (11) لعام 2025م، يحمل في طياته مؤشرات واضحة على #تخبط_اقتصادي، ولجوء للحلقة الأضعف المتمثلة في جيوب المواطنين.. متجاهلاً الشلل التام في أدوات الدولة السيادية وعجزها عن ضبط مؤسساتها الإيرادية.

​تدمير ممنهج لما تبقى من قدرة شرائية
​رغم محاولات التبرير الحكومية ومساعيها لامتصاص الغضب الشعبي المتوقع.. عبر إقرار زيادة بنسبة 20% كبدل غلاء معيشة للموظفين وصرف العلاوات المتأخرة.. إلا أن هذه الخطوة تبدو كمن يصب قطرة ماء في محيط من الغلاء.
 إن قفزة الدولار الجمركي بنسبة تتجاوز 100% ستترجم فوراً في الأسواق إلى موجة #تضخمية_عاتية لن تستثني أحداً.

​وفي ظل غياب الرقابة الصارمة على الأسواق، فإن الحديث عن إعفاء السلع الأساسية الخمس (القمح، الأرز، السكر، الحليب، والأدوية) يظل حبراً على ورق؛ إذ إن كلفة نقل هذه السلع، وأسعار الوقود، والسلع المرتبطة بسلاسل الإمداد والتغليف التي شملها الرفع، ستدفع التجار تلقائياً إلى رفع أسعار كل شيء، مما يعني تدميراً كاملاً للقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة وسحقاً تاما للفقراء.

​ الفشل المحتوم: المتمردون داخل بيت الشرعية 
​إن المعضلة الكبرى التي تحكم على هذا القرار بالفشل الذريع قبل أن يجف حبره، هي أن الحكومة تفرض أعباءً جديدة على المواطن والتجار الملتزمين، في حين تقف عاجزة ومشلولة أمام "تمرد" المؤسسات والمحافظات الإيرادية الخاضعة لسلطتها الاسمية، والتي رفضت لمرات عديدة، ولا تزال ترفض، توريد عائداتها إلى البنك المركزي في عدن.

-​كيف يمكن لقرار اقتصادي أن ينجح والحكومة لم تستطع إلزام شركات النفط والغاز، أو المنافذ الحيوية والموانئ في بعض المحافظات المحررة، بإنهاء حالة الشتات المالي وتوحيد الإيرادات؟.
إن الذهاب لتحصيل الجمارك بنسق مضاعف من ميناء عدن أو منفذ شحن، مع ترك الحسابات الخاصة لبعض المتنفذين والمؤسسات بعيدة عن مقصلة القانون، هو شرعنة للفشل وتأكيد على أن القرار ليس إصلاحاً اقتصادياً.. بل هو مجرد جباية قسرية لتعويض العجز الناتج عن العجز الحكومي نفسه في حماية وتصدير النفط والغاز إثر تهديدات الحوثيين.

​ الهدايا المجانية للحوثيين.
 هروب رأس المال نحو الشمال
​لم تكن جماعة الحوثي بحاجة إلى بذل جهد إعلامي أو سياسي لتشويه صورة الشرعية.. فقد قدمت لها الحكومة اليوم هدية على طبق من ذهب. 
هذا القرار سيمثل مادة دسمة للماكينة الإعلامية الحوثية لاستغلال معاناة المواطنين في مناطق جنوب وشرق اليمن، وتصوير سلطة عدن كـ "سلطة جبايات" لا تهتم بحياة الناس.

​أبعد من البروباجندا الإعلامية، هناك خطر اقتصادي كارثي يتمثل في الهروب الجماعي لرأس المال. 

التسهيلات الجمركية والضريبية التي تقدمها جماعة الحوثي في ميناء الحديدة، مقارنة بالتعقيدات والرفع الجنوني في موانئ الشرعية، ستدفع بالتجار مكرهين إلى تحويل خطوط استيرادهم نحو الحديدة والمنافذ الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
 هذا التحول لن يحرم خزينة الدولة الخاوية من الإيرادات الجمركية فحسب.. بل سيعزز الموقف المالي للحوثيين، ويجعل أسواق المناطق المحررة تحت رحمة شحة السلع والارتفاع الجنوني للأسعار.

​في النهاية 
​إن تحرير الدولار الجمركي في بيئة مجزأة سياسياً واقتصادياً، ومع عجز الحكومة عن فرض سيادتها المالية على مؤسساتها، ليس خطة إنقاذ، بل هو  #انتحار_اقتصادي.. يدفع ثمنه المواطن البسيط. 

إذا لم تملك الحكومة الشجاعة لإجبار كافة المؤسسات الإيرادية دون استثناء على التوريد للبنك المركزي، وإغلاق منافذ الفساد والتهريب.. فإن هذا القرار لن يثمر إلا مزيداً من الانهيار للعملة، ومزيداً من الجوع في الشوارع، ومزيداً من أوراق القوة لخصومها.