في كل مرة يُعاد فيها طرح خطاب «الأولويات الثلاث» (الأمن والخدمات والمرتبات) يبدو وكأنه حديث عقلاني ومنطقي، بل ويقدَم بوصفه بديلاً واقعياً عن "مغامرات عسكرية غير محسوبة"، غير أن التدقيق في هذا الخطاب، وفي السياق السياسي والعسكري الذي يطرح فيه، يكشف أنه لا يعبّر عن إدارة أزمة بقدر ما يؤسس لقبول تدريجي بالأمر الواقع الذي فرضته مليشيا الحوثي.
تصريحات نائب وزير الخارجية مصطفى النعمان، التي اعتبر فيها أن التقدم نحو صنعاء "غير واقعي" في المرحلة الراهنة، وأن الأولوية يجب أن تنصرف إلى تثبيت الاستقرار في عدن وتحسين الخدمات، ليست مجرد رأي شخصي لمسؤول حكومي، بل تعكس توجهاً آخذا في الترسخ داخل بنية القرار الرسمي، إدارة ما تبقى من الدولة، لا استعادة الدولة كاملة.
إشكالية الواقعية السياسية لدى النخب السياسية اليمنية، تخرجنا عن المسار الحقيقي من أهداف الحكومة اليمنية ومجلس القيادة في استعادة الدولة، فحين يُقال إن المعسكر الحكومي منقسم، وإن الجنوب غير مستقر، فإن السؤال البديهي ليس: لماذا نؤجل المعركة.. بل متى كان الانقسام مبرراً تاريخياً للتخلي عن معركة السيادة؟!
الانقسام لم ينشأ اليوم، وعدم الاستقرار في المناطق المحررة لم يكن يوماً حالة طارئة، بل إن هذه الاختلالات أو إن جاز لي التعبير القول "إشكالية الواقعية" هي في جزء كبير منها نتيجة مباشرة لغياب مشروع وطني جامع عنوانه، تحرير صنعاء وإنهاء الانقلاب، فالدولة التي لا تمتلك أفقاً سيادياً، تتحول إلى إدارة أزمات محلية متناحرة، لا إلى سلطة.
الأخطر من ذلك، أن الحديث عن "نموذج عدن" بوصفه أداة لإضعاف الحوثي مع الزمن، يتجاهل حقيقة أن الجماعة لا تخوض صراعاً خدمياً أو نموذج حكم، بل صراع سيطرة وهيمنة وسلاح، الحوثي لا يسقط بتحسين الكهرباء في عدن، بل بكسر ميزانه العسكري والاقتصادي.
يثير الجدل أن المسؤول نفسه الذي يستبعد اليوم خيار الحرب بوصفه "غير واقعي"، كان في وقت سابق يلوّح بإمكانية التحالف مع الحوثي في مواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي.. وهنا تبرز إشكالية أخلاقية وسياسية خطيرة..
إذا كان الحوثي عدواً وجودياً لا يمكن هزيمته عسكرياً، فلماذا كان التحالف معه مطروحاً.. وإذا كان تقسيم اليمن مرفوضاً، فلماذا يبدو الحديث اليوم وكأنه إقرار ضمني بواقع "شمال للحوثي وجنوب لتوازنات هشة؟
هذا التناقض يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل نحن أمام رفض مبدئي للتقسيم، أم رفض انتقائي حسب هوية الطرف السياسي؟
تطرح الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي "ثلاث أولويات مترابطة لا يمكن فصلها" لكن المشكلة ليست في الترابط النظري، بل في تجاهل العامل المعطل لكل هذه الأولويات، وهي مليشيا الحوثي.
عجبي.. كيف يمكن الحديث عن أمن مستدام بينما المليشيا تملك القدرة على الاختراق، والتنسيق مع تنظيمات إرهابية، وتحريك خلاياها كلما احتاجت لخلط الأوراق.. الأمن في ظل وجود الحوثي ليس حالة قابلة للإنجاز، بل استنزاف دائم، ولا يمكن أن تخرج الحكومة من طالما هناك عدو يجيد اللعب بالأوراق..
أيضًا يقال أن من ضمن الأولويات الثلاث تحسين الخدمات وصرف المرتبات.. إذًا من أين ذلك في ظل سيطرة الحوثي على عائدات الاتصالات ورسوم الطيران والمجال الجوي والموانئ وإيرادات البحر الأحمر ومنع تصدير النفط عبر التهديد بالصواريخ والطائرات المسيّرة؟
يا إلهي.. هل غابت عقول الساسة في البلاد.. هل انتهى التخطيط لإستعادة الدولة؟
أي حديث عن خدمات مستقرة دون استعادة هذه الموارد، هو حديث عن إدارة فقر لا بناء دولة، أما السؤال المسكوت عنه، والذي يزداد إلحاحاً، إلى متى ستظل الحكومة اليمنية رهينة الدعم السعودي اقتصادياً.. وهل يمكن لدولة بلا سيادة على مواردها أن تدّعي الاستقلال في قرارها السياسي..
يجب أن يكون الحديث دائما كمسئول وواجب ديني ووطني، هو الحديث عن استعادة الدولة عبر العمل العسكري هو أولوية الأولويات، لأن كل ما سواه مؤقت.. هش.. قابل للانهيار.
ولأن التجربة أثبتت أن الحوثي لا يذهب إلى السلام إلا تحت الضغط، ولا يلتزم باتفاق إلا إذا كان ضعيفا، ولا يمنح الدولة فرصة للحياة إلا إذا أُجبر على ذلك.
العمل العسكري هنا لا يطرح بوصفه نزعة حرب، بل خيار استعادة السيادة، وقطع الطريق على مشروع طويل النفس يعمل على تثبيت الانقسام، وإعادة إنتاج الحوثي كسلطة أمر واقع معترف بها دولياً.
الخطورة لا تكمن فقط في استبعاد الخيار العسكري، بل في تطبيع هذا الاستبعاد وتحويله إلى "حكمة سياسية"، بينما تتحول صنعاء إلى ملف مؤجل، والحوثي إلى جار ثقيل لا شريك ولا عدو.
وإذا استمر هذا النهج فإن السؤال في المستقبل لن يكون لماذا لم نحرر اليمن.. بل متى قررنا بصمت التعايش مع هزيمته؟
محمود الطاهر- كاتب صحفي ومحلل سياسي يمني