الوحدوي الأخير .....قراءة في خطاب رشاد العليمي بمناسبة العيد السادس والثلاثين لقيام الوحدة اليمنية
2026/05/22 - الساعة 10:25 مساءاً
الوحدة اليمنية كلما شاخت وأرادت أن تموت بعث الله لها من يبعثها ويجدد روح تلاحمها، من خلال إرادة وطنية صلبة يلتف حولها الأشقاء في المنطقة، وإدراك دولي متزايد بأن استقرار اليمن هو صمام أمان لأمن الإقليم والعالم بأسره. وكلما ظن المتربصون أن جذوتها قد انطفأت، وأن الخلافات السياسية، والمظالم المتراكمة، والحروب المنهكة قد تضافرت لتكتب فصليها الأخير، يخرج من أصلابها من يعيد صياغة العقد الاجتماعي بوعي جديد، وينتقل بها من منطق الهيمنة والإقصاء إلى منطق العدالة وجبر الضرر من خلال الانتقال إلى دولة الشراكة والعدالة وتصحيح المسار السياسي
الرئيس رشاد العليمي في خطابه اليوم بمناسبة العيد السادس والثلاثين لقيام الوحدة اليمنية أظهر بأنه ذلك الرجل الذي يمتلك القدرة على تصحيح المسار واصلاح أخطاء السابقين الذين تشدقوا بالوحدة وحب الوطن لعقود من الزمن وكأنه يقدم مراجعة سياسية شاملة لتجربة امتدت منذ 22 مايو 1990، واضعًا يده على الجرح الذي ظل لعقود مؤجلًا خلف خطابات التعبئة والهتافات العاطفية ليمثل نقطة تحول جوهرية في التعاطي مع القضية الوطنية والتخلي عن النبرة الاحتفالية الزائفة والشعارات الجوفاء التي اعتاد الشعب سماعها لسنوات، واستبدلها بلغة المسؤولية والمكاشفة والشجاعة في الاعتراف الصريح بأن مشروع الوحدة "تعرض لاحقًا لانحرافات خطيرة، أنتجت مظالم عميقة، بدءًا من الإقصاء والتهميش، ووصولًا إلى الإضرار بالشراكة الوطنية التي قامت عليها الوحدة في الأساس".
ومن هذا المنطلق يمكننا القول بأن خطاب العليمي هو أشجع خطاب رئاسي يضع لبنة الأساس لإعادة بناء الدولة اليمنية على مبدأ الشراكة والعدالة السياسية بدلاً من الهيمنة ومنطق الغلبة الذي تسبب بوصول البلاد إلى هذا المستوى من الانقسام والتشظي والانهيار المؤسسي.
لهذا بدا خطاب العليمي وكأنه خارطة طريق سياسية لإعادة بناء الثقة المفقودة بين أطراف العمل السياسي والشعب اليمني ومحاولة لإحياء المعنى الحقيقي والوطني للوحدة اليمنية، بوصفها مشروع شراكة وعدالة ومواطنة متساوية، ورسالة تحمل في جوهرها اعترافًا بأن الأوطان تُبنى بقدرتها على الإنصاف وصناعة الثقة وإشعار الجميع بأنهم شركاء حقيقيون في الوطن والمصير ويمكن رصد ملامح هذا التحول من خلال عدة نقاط رئيسية، أبرزها انتقال الخطاب الرسمي من التقديس العاطفي للوحدة إلى الاعتراف الصريح بالأخطاء والانحرافات التي أضرت بالشراكة الوطنية، وإعادة تعريف القضية الجنوبية باعتبارها قضية عدالة سياسية وشراكة وطنية تتطلب جبر الضرر ومعالجة آثار الماضي والتوجه نحو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تقوم على توحيد المؤسسات، واستعادة ثقة المواطن، وإنهاء حالة التشظي والانقسام، إلى جانب تبني لغة سياسية أكثر هدوءًا تقوم على التسامح والشراكة بدلًا من التخوين والإقصاء.