في البلدان التي تمر بفترات طويلة من الاضطراب، لا تتشكل صورة المسؤول العام من موقعه الرسمي وحده، وإنما من نوع الخبرات وتراكمها، التي حملها معه إلى الدولة، وكيف تركت أثرها على أسلوب الإدارة، واتخاذ القرار والتعامل مع التعقيدات. وفي بلدنا اليمن حيث الأولويات تغيرت، وتبدلت مراكز التأثير خلال عقود، ظهرت شخصيات جاءت من خلفيات مختلفة؛ بعضها خرج من المؤسسة العسكرية او الامنية، وبعضها من العمل الحزبي والسياسي، وأخرى من العمل الاداري العام او العمل المجتمعي والجماهيري. وبين هذه النماذج تبرز تجربة الرئيس رشاد العليمي بوصفها تجربة تشكلت عبر مسار طويل داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها.
ما يستحق التوقف عنده هنا، ليس الموقع الذي وصل إليه الرجل، وإنما الطريق الذي سار فيه قبل ذلك. فالعليمي لم يأت إلى العمل العام من حضور جماهيري، ولم يصعد عبر خطاب سياسي، وإنما عبر انتقالات متتابعة بين والعمل الأكاديمي والأمني والمسؤوليات التنفيذية والممارسة السياسية. وهذا النوع من المسارات يترك عادة أثرا على طريقة النظر إلى الدولة؛ إذ يصبح الاهتمام أكبر بتفاصيل الإدارة وحدود القرار، والالتزام المؤسسي وكيفية استمرارها في الظروف الصعبة.
ومن هنا في نظري، تبدو قراءة هذه التجربة من زاوية واحدة قراءة غير كافية. كذلك التعامل معها بوصفها تجربة أمنية فقط لا يفسر امتدادها داخل مؤسسات الحكم، وقراءتها باعتبارها تجربة سياسية تقليدية لا تكشف كامل ملامحها، كما أن اختزالها في المرحلة الحالية يغفل سنوات طويلة سبقتها. ولهذا تبدو الفكرة الأقرب إلى التفسير أن تعدد الخبرات قد أسهم في تكوين طريقة خاصة في فهم الدولة والتعامل مع ملفاتها، دون أن يعني ذلك أن الخلفية وحدها تكفي لتفسير النتائج أو الحكم على التجربة.
عند قراءة المسارات السياسية في اليمن، يلاحظ أن الخلفية الأكاديمية لم تكن دائما العامل الأكثر حضورا في تشكيل صورة المسؤول العام، إذ تقدمت في أوقات كثيرة الاعتبارات السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية. غير أن حالة العليمي تبدو مختلفة من هذه الناحية، لأن التكوين الأكاديمي جاء مبكرا في مساره ثم ظل حاضرًا خلال انتقاله إلى مواقع المسؤولية.
المقصود هنا ليس المؤهل الأكاديمي بحد ذاته، وإنما طريقة التفكير التي تصاحب هذا النوع من التكوين؛ الميل إلى جمع المعطيات قبل الوصول إلى الاستنتاجات، وربط الوقائع بسياقاتها، والنظر إلى القرارات بوصفها حلقات متصلة لا خطوات منفردة. وعندما ينتقل هذا النوع من التفكير إلى العمل الحكومي، تتغير طريقة التعامل مع الملفات العامة.
يمكن ملاحظة أن حضوره ارتبط غالبًا بصورة المسؤول الذي يعمل من داخل المؤسسات، ويعرف تفاصيلها أكثر من ارتباطه بصورة السياسي الذي يعتمد على الخطابة أو الحضور الإعلامي. وهذا لا يعني أن السياسة كانت غائبة عن تجربته، فكل عمل عام يحمل جانبًا سياسيًا.
كما أن الشخصيات التي تمر بتجارب أكاديمية تميل في العادة إلى التريث في قراءة التوازنات، وعدم التسرع في إنتاج المواقف. وفي الدول المستقرة قد لا يبدو هذا العامل ظاهرًا بصورة كبيرة، أما في الدول التي تمر بأزمات ممتدة فإنه يصبح أكثر حضورًا؛ لأن إدارة الشأن العام تتحول إلى متابعة ملفات كثيرة في وقت واحد، مع قدر محدود من الخيارات.
لكن المعرفة وحدها لا تكفي لفهم هذه التجربة. هناك جانب آخر ارتبط بسنوات العمل الأمني، وهو جانب يمنح زاوية مختلفة لفهم الدولة.
في الحالة اليمنية ارتبط العمل الأمني لدى كثيرين بصورة ضيقة، بينما الواقع أوسع من ذلك. فالأجهزة الأمنية في الدول التي تشهد تغيرات مستمرة تكون على تماس مع المجتمع والعلاقات المحلية والتحولات الاقتصادية ومصادر التوتر. وهذا يترك أثرًا على طريقة قراءة الأحداث وعلى تقدير احتمالاتها.
يمكن النظر إلى الخبرة الأمنية في حالة العليمي باعتبارها أحد العوامل التي عززت الاهتمام بفكرة الاستقرار وتقدير أثر القرارات قبل اتخاذها. فالعمل الطويل في هذا المجال يمنح معرفة بطبيعة الأزمات وكيف تتطور وكيف يمكن أن تتوسع عندما تُقرأ بصورة غير دقيقة.
لكن هذه الخلفية وحدها لا تفسر المسار كاملًا. فالسياسة لا تُدار بعقل أمني، كما أن الإدارة تحتاج أدوات تتجاوز المعرفة بالمخاطر. ولهذا تبدو أهمية انتقال التجربة إلى مستويات أخرى داخل الدولة، حيث أصبحت الخبرة الأمنية جزءًا من خبرة أوسع. ويظهر ذلك بصورة أوضح عند الانتقال إلى الجانب السياسي.
في الحياة السياسية اليمنية برزت شخصيات بنت حضورها على الخطاب المرتفع أو القدرة على التعبئة، وفي المقابل ظهرت شخصيات اعتمدت على نمط مختلف يقوم على إدارة العلاقات والحفاظ على قنوات التواصل. ويمكن قراءة حضور العليمي ضمن هذا النوع الثاني.
فالعمل السياسي، خاصة في بلد متعدد المراكز والاتجاهات، يحتاج إلى القدرة على الاستمرار في التواصل حتى مع وجود اختلافات كبيرة. وفي اليمن تصبح هذه القدرة أكثر أهمية بسبب تداخل الاعتبارات السياسية والمحلية والإقليمية.
ضمن هذا الإطار، يمكن ملاحظة ميل إلى أسلوب يقوم على التدرج والبحث عن نقاط الاتفاق أكثر من السعي إلى حسم الخلافات بسرعة. وهذا لا يعني غياب المواقف أو تجنب القرارات، لكنه يشير إلى أسلوب يعطي وزنًا لاستمرار التفاهم وإبقاء المجال مفتوحًا أمام التوافق.
ومن هذا المدخل يمكن أيضًا فهم بعض الاتجاهات التي ظهرت خلال المرحلة الأخيرة، ومنها الدفع نحو توسيع الحضور داخل مؤسسات الدولة وعدم حصر المشاركة في نطاق محدود.
ظهر ذلك في اتجاهات مرتبطة بزيادة حضور النساء في بعض المواقع الحكومية، وحصول النساء على ٣ حقائب مهمة، إحداها سيادية وأخرى خاصة لشؤون المرأة، ودمج النساء بالسلك الدبلوماسي وتمثلت النساء في مواقع سفيرات في أمريكا ودول أوروبا، وكما تبوءت المرأة مناصب عليا بالسلك القضائي وتعيين ٨ قاضيات، وحصلت بعض النساء على ترقيات برتب عليا في وزارة الداخلية، وإعطاء مساحة أكبر لمشاركتهن في الملفات المتعلقة بالأمن والسلام والعمل العام. كما ظهر اهتمام بإشراك الشباب في الحياة العامة، والدفع نحو تمثيل 10 وزراء من شباب بالحكومة، وكذلك بمواقع متنوعة داخل العمل المؤسسي، وهذه الملفات تبقى بطبيعتها خاضعة للتقييم من حيث حجم النتائج ومدى اتساعها، لكنها تعكس توجهًا يستحق القراءة.
ومن الجوانب التي يمكن التوقف عندها عند قراءة تجربة الرئيس رشاد العليمي، طبيعة حضوره في العلاقة بين الداخل والخارج. ففي الحالة اليمنية، لا تتحرك الدولة داخل نطاقها المحلي فقط، بل تتأثر بدرجات متفاوتة بعلاقاتها مع دول الجوار، وبالتوازنات الإقليمية، وبمواقف القوى الدولية المنخرطة في الملف اليمني.
وفي مثل هذا السياق، تصبح القدرة على إدارة العلاقات الخارجية جزءًا من أدوات إدارة الدولة نفسها، لا ملفًا منفصلًا عنها. ومن هنا، يمكن فهم حضور العليمي بوصفه أقرب إلى نمط سياسي يميل إلى الحفاظ على اتصالاته مع الأطراف الفاعلة، ومحاولة تقليل كلفة التناقضات قدر الإمكان، بدل الدفع نحو اصطفافات حادة تضيق معها فرص الحركة.
وقد يكون هذا أحد العوامل التي منحت تجربته قدرًا من القبول لدى أطراف خارجية مختلفة؛ ليس باعتباره ممثلًا لاتجاه واحد، وإنما كشخصية يُنظر إليها بوصفها قادرة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وعلى التعامل مع مصالح متباينة ضمن حدود الممكن سياسيًا.
وفي الداخل، ارتبط هذا الحضور لدى بعض القوى والفاعلين المحليين بصورة مسؤول يحاول تقديم فكرة الدولة؛ باعتبارها إطارًا جامعًا أكثر من كونها تعبيرًا عن طرف سياسي منفرد. ولا يعني ذلك وجود قراءة موحدة لهذه التجربة أو توافق كامل حولها، فالمشهد اليمني بطبيعته يحمل تقديرات متباينة، لكن هذه المقاربة تساعد على تفسير جانب من حضوره خلال المرحلة الأخيرة.
وفي هذا المعنى، لا تبدو أهمية هذه السمة في تحقيق توازن بين العلاقات الخارجية فقط، وإنما في محاولة إبقاء القرار الوطني قادرًا على التحرك ضمن بيئة تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية بصورة مستمرة. وعند الانتقال إلى الإدارة، يظهر جانب آخر من هذه التجربة.
فالعمل داخل مؤسسات الدولة يمنح فهمًا مختلفًا عن العمل السياسي الخارجي. هناك فرق بين إصدار القرار وبين القدرة على تحويله إلى إجراء قابل للتنفيذ. وهناك فرق بين إعلان الأولويات وبين إدارة أثرها على المؤسسات والمجتمع.
ومن خلال هذا المسار تبدو تجربة العليمي أقرب إلى تجربة مسؤول تشكل داخل أجهزة الدولة قبل الوصول إلى موقع القيادة. وهذا يساعد في فهم الميل إلى التفكير المؤسسي وإلى التعامل مع الملفات عبر التسلسل الإداري والمتابعة الطويلة.
ويندرج ضمن ذلك التعامل مع بعض الملفات المرتبطة بمعالجة آثار المراحل السابقة، ومنها ملف إعادة المسرحين الجنوبيين المدنيين والعسكريين باعتباره أحد الملفات المرتبطة بمطالب الحقوق والتعويض ومعالجة أسباب التوتر التي ارتبطت بالقضية الجنوبية.
كما يندرج ضمنه الدفع نحو أطر لمرحلة تقوم على التشاور والمصالحة، وتوجهه نحو تشكيل أطر للعدالة الانتقالية، وهيئات لدراسة المظالم وجبر الضرر بوصفها أدوات تساعد على إعادة بناء الثقة وتخفيف آثار الصراع.
ولا يعني ذلك أن هذه الخطوات تكفي للحكم على التجربة أو أنها وصلت إلى نتائج نهائية، لأن العمل العام يبقى مرتبطًا بقدرته على تحويل التوجهات إلى سياسات قابلة للاستمرار.
وعند النظر إلى المسار كله، قد لا يكون من السهل تفسير حضور العليمي، عبر عامل واحد أو اختزاله في موقعه الحالي. فالتجربة تبدو أقرب إلى حصيلة تراكم جمع بين المعرفة والعمل التنفيذي والخبرة الأمنية والعلاقات السياسية. وقد تكون هذه العناصر وفرت أدوات متعددة لفهم الدولة والتعامل مع تعقيداتها.
لكن أي قراءة منصفة تبقى مرتبطة بالنتائج وبالظروف التي تعمل داخلها مؤسسات الحكم. ولهذا فإن قيمة هذه التجربة لا تأتي من إصدار حكم نهائي عليها، وإنما من السؤال الذي تفتحه: إلى أي مدى تستطيع الخبرات المتعددة أن تساعد في إدارة دولة تواجه تحديات ممتدة وتبحث عن طريق أكثر استقرارًا؟