في كلمته أمام الحكومة الجديدة، أشار الرئيس رشاد العليمي إلى ضرورة حماية المجتمع ومؤسسات الدولة من التجسس والاختراق. العبارة، رغم إيجازها، تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى استيعاب المؤسسات اليمنية لطبيعة التهديدات الرقمية المعاصرة، وما إذا كانت هناك خطط فعلية لمواجهتها.
لم يعد التهديد الأمني يقتصر على الساحات العسكرية التقليدية. المعلومة أصبحت سلاحاً استراتيجياً، والبيانات باتت هدفاً أساسياً في الصراعات المعاصرة. التجسس لم يعد يحتاج إلى جواسيس ميدانيين، والاختراق لم يعد محصوراً بالتسلل المادي. نحن أمام واقع جديد: اختراق الأنظمة الرقمية، تسريب البيانات، اعتراض الاتصالات، التزييف العميق، والتضليل المنظم.
هذه الأدوات توظفها جهات متعددة ضمن ما يُعرف بالحروب الهجينة، وهي حروب لا تعلن عن نفسها بوضوح، لكنها تخترق الحدود بصمت، وتستهدف البنية التحتية للدول، ووعي المواطنين، وثقة المجتمع بمؤسساته.
هل نحن مستعدون؟
الإشارة إلى التجسس والاختراق في خطاب رسمي قد تعكس وعياً بالمخاطر، لكنها تثير أيضاً تساؤلات حول الجاهزية الفعلية. هل تمتلك المؤسسات اليمنية استراتيجية واضحة للأمن السيبراني؟ هل هناك بنية تحتية محمية؟ هل الموظفون مدربون على التعرف على محاولات الاختراق والابتزاز الإلكتروني؟
في ظل الصراع المستمر، أصبحت اليمن ساحة مفتوحة لمحاولات اختراق المؤسسات الحكومية، ومراقبة الاتصالات، وتسريب الوثائق، واستهداف الشخصيات الرسمية. الأطراف المعادية، بما فيها المليشيات الحوثية، تستخدم أدوات تجسس رقمية متطورة لتعقب الخصوم، وإدارة العمليات، وبناء سرديات إعلامية مضللة، بل وخلق قضايا ابتزاز إلكتروني تهدف إلى ضرب ثقة المواطنين بالدولة.
العقل البشري
أخطر أشكال الاختراق ليس اختراق الأنظمة، بل اختراق الإنسان: الموظف، المسؤول، الإعلامي، المواطن. التزييف العميق، والتضليل المنظم، والابتزاز الإلكتروني، كلها أدوات تستهدف كسر الثقة، وإرباك القرار، وتفكيك العلاقة بين الدولة والمجتمع.
حين يفقد المواطن ثقته في قدرة الدولة على حمايته، أو حين يُخترق وعيه عبر منصات معادية، فإن الدولة تخسر معركة أعمق من أي معركة ميدانية.
مفهوم غائب
السيادة لم تعد مقتصرة على الأرض والحدود والمجال الجوي. السيادة الحقيقية اليوم تشمل السيادة على الفضاء الرقمي، والبيانات الوطنية، والبنية التحتية للمعلومات. الدولة التي لا تدير بياناتها، أو تُخترق شبكاتها، أو يُصاغ وعي مواطنيها عبر منصات خارجية، تظل دولة منقوصة السيادة، مهما امتلكت من القوة العسكرية.
لكن السؤال: هل تمتلك اليمن سيادة رقمية حقيقية؟ هل هناك مرجعية وطنية واحدة تدير القرار السيبراني؟ هل البنية التحتية الحرجة محمية؟ هل هناك تشريعات تواكب التطور التقنولوجي؟
من القول إلى الفعل
الكلام عن الأمن السيبراني لا يكفي. المطلوب هو انتقال حقيقي من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، عبر، بناء إطار وطني للأمن السيبراني بمرجعية سيادية واحدة للقرار، و حماية البنية التحتية الحرجة للدولة من المستشفيات إلى الموانئ إلى المنشآت النفطية.
إصافة إلى رفع وعي القيادات والموظفين قبل الاستثمار في التقنيات المكلفة، واعتبار الأمن السيبراني جزءاً من الأمن القومي، لا ملحقاً تقنياً يُدار بعقلية بيروقراطية، إضافة إلى تدريب كوادر وطنية متخصصة قادرة على رصد التهديدات والتعامل معها.
الفرصة والتحدي
الإشارة الرئاسية إلى التجسس والاختراق قد تمثل لحظة تحول، لكنها تبقى مجرد بداية. الفرصة متاحة لإعادة بناء الدولة بعقلية حديثة تدرك أن المعلومة سلاح، وأن حماية البيانات شرط للسيادة، وأن الوعي الرقمي جزء من الأمن القومي.
لكن الفرصة وحدها لا تكفي. التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على التنفيذ، في وجود إرادة سياسية حقيقية، وفي تخصيص الموارد اللازمة، وفي بناء مؤسسات فاعلة لا شعارات جوفاء.
في عالم تُخاض فيه الحروب بالخوارزميات والبيانات قبل البنادق، فإن الدولة التي لا تحمي معلومتها، لن تحمي سيادتها، ولن تحفظ كرامة مواطنيها. السؤال ليس ما إذا كنا ندرك الخطر، بل ما إذا كنا فعلاً مستعدين لمواجهته.
*دكتوراه في الأمن السيبراني