اكد مصدر أمني مسؤول في المهرة، أن المواطن الصومالي الذي استهدفته طائرة من دون طيار في محافظة المهرة، كان يحمل أيضًا جواز سفر يمنيًا صادراً من صنعاء الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.
وبحسب وثيقة السفر، فأن الصومالي عبدالقادر يحيى الزبيدي، منح جواز سفر من الحوثي، رجح انتماء المواطن الصومالي إلى شبكة تهريب أسلحة، ومواد متفجرة ونشاطات مختلفة، تنشط بين اليمن والصومال ودول أخرى.
لا يرى مراقبون متخصصون في الشأن اليمني أن ضربة المسيّرة التي أودت بحياة عبدالشكور باهي علي في محافظة المهرة حدثٌ استثنائي أو منفصل عن سياقه؛ بل يصفونها بأنها لحظة كشف نادرة، فتحت نافذة على منظومة أعمق وأكثر تشعباً مما يوحي به الخبر في ظاهره.
ما يستوقف المراقبين في هذه القضية عنصران متلازمان، الأول أن مواطناً صومالياً قدم حديثاً إلى اليمن كان يحمل جواز سفر يمنياً صادراً من صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، والثاني أنه وصل إلى المهرة ليجد شبكة استقبال جاهزة من مقيمين صوماليين، مما يشير في نظر المختصين إلى أن هذه الزيارة لم تكن الأولى من نوعها، وأن ما كُشف هو جزء صغير من بنية تشغيلية راسخة.
التحالف بين الحوثي والقاعدة
يُشير المحلل السياسي عبدالستار الشميري إلى أن العلاقة بين الحوثيين وشبكات الإرهاب الإقليمية «ليست حديثة أو طارئة، وإنما هي امتداد لسنوات من السياسات الإيرانية في بناء شبكات تهريب متكاملة في الإقليم، يُشرف عليها الحرس الثوري من الخلف ويُنفذها الحوثيون لوجستياً».
وتنسجم هذه القراءة مع ما وثّقه أحدث تقارير فريق الخبراء الأمميين المعني باليمن، الذي يغطي الفترة من ديسمبر 2024 حتى يونيو 2025، والذي أكد أن العلاقة القائمة بين تنظيم القاعدة وجماعة الحوثيين «ممكنة في ظل الديناميات القبلية والجهات الميسِّرة، بالرغم من الانتقادات العلنية التي يوجهها التنظيم للجماعة».
وذهب وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أبعد من ذلك، إذ أكد في تصريحات رسمية أن التحالف القائم بين جماعة الحوثي والتنظيمات الإرهابية يهدف إلى تحقيق أهداف مشتركة تتمثل في إضعاف الدولة اليمنية، وزعزعة الأمن والاستقرار في المناطق المحررة، وتوسيع نطاق الفوضى بما يهدد دول الجوار ويشكل خطراً على التجارة الدولية وخطوط الملاحة البحرية.
وعلى المستوى الميداني، رصد التقرير الأممي ذاته توثيقاً استثنائياً لمستوى التنسيق، إذ أكد أن المليشيا لا تزال تتعامل مع تنظيم القاعدة بناءً على اتفاق يشمل وقف الأعمال العدائية وخوض حرب استنزاف ضد القوات الحكومية، وقد جرى بينهما تبادل للأسرى في مارس 2025، فيما نسّق قادة من الطرفين أنشطتهم، كما يتضح من الاتصالات التي تم اعتراضها، حيث قام اثنان من الأفراد التابعين للتنظيم بتنسيق أنشطة مع أجهزة الأمن والمخابرات التابعة للحوثيين بما يعود بالنفع على الطرفين.
بل تجاوز التعاون حدود التنسيق الأمني إلى الدعم المؤسسي المباشر؛ إذ طوّر الحوثيون علاقتهم مع التنظيم لتشمل تدريب عناصره وتقديم العلاج الطبي لأعضائه في المناطق التي يسيطرون عليها، مما يشير إلى استراتيجية حوثية تهدف إلى إحكام السيطرة عبر عقد التحالفات.
البوابة المفتوحة لشبكات الموت
يرى الباحث فارس الكندي أن «الخطر الاستراتيجي لا يكمن فقط في تهريب السلاح، بل في قدرة الحوثيين على بناء جبهة بحرية خلفية تُمكّنهم من نقل صراعهم إلى البحر، مما يجعلهم أكثر قدرة على تعطيل الملاحة الدولية والضغط على خصومهم من خلف الحدود».
وتكتسب المهرة في هذا السياق ثقلاً استراتيجياً استثنائياً؛ فهي المحافظة النائية التي باتت محوراً لتقاطع الشبكات العابرة للقارات. ويوثّق مركز كارنيغي للسلام الدولي في تقرير مستقل أن طرق التهريب إلى اليمن تشمل المناطق الساحلية حول ميناءَي نشطون وسيحوت في محافظة المهرة، في حين تضم نظيراتها الصومالية ميناء بوصاصو في بونتلاند، وسواحل متعددة أخرى، وهو ما يجعل المهرة حلقة محورية في سلسلة إمداد بحرية واسعة.
وتكتسب هذه الصورة النظرية تأكيداً ميدانياً صريحاً؛ إذ اعترف مجند في القوات البحرية الحوثية بأنه نفّذ أواخر عام 2024 خمس عمليات تهريب أسلحة وأجهزة عسكرية إلى حركة الشباب الصومالية، وقام بتهريب عناصر إرهابية من الجنسيتين الصومالية واليمنية من الصومال إلى اليمن عبر سواحل محافظتي المهرة وشبوة.
وفي ضوء هذا، يرى المراقبون أن المواطن الصومالي الذي دخل إلى اليمن «عبر دولة مجاورة» وفق ما أفادت مصادر أمنية، قد سلك ذات الممرات الموثقة، وأن شبكة الاستقبال التي انتظرته في المهرة ليست ظرفية بل تعبير عن حضور تشغيلي منظم.
الشبكة بالأسماء
وصل التوثيق الأممي في أحدث تقاريره إلى مستوى غير مسبوق من التفصيل، إذ أزاح الستار عن أربع شخصيات سرية تنشط في تيسير تهريب السلاح ضمن الشبكة التي تغذي ثلاثي الموت: مليشيات الحوثي، وتنظيم القاعدة في اليمن، وحركة الشباب الصومالية.
وتصدّر هذه القائمة المدعو عبدالرزاق حسن يوسف، وهو صومالي الجنسية يؤدي دوراً محورياً في تسهيل نقل الأسلحة بين مليشيا الحوثي وحركة الشباب، ويعمل بالتنسيق مع مهرب أسلحة يمني يُدعى «أبو كمّام» في إدارة خطوط إمداد مشتركة.
وعلى صعيد الترابط بين الحوثيين وتنظيم القاعدة تحديداً، حدّد التقرير شخصية تُدعى «أبو صالح العبيدي»، أحد أبرز المتورطين في تهريب الطائرات المسيّرة والأسلحة بين الطرفين، الذي يعمل عبر تعاونه مع مهربين ينقلون السلاح من محافظة المهرة إلى محافظة مأرب ثم إلى الجوف، مستغلاً الطريق الصحراوي في مدّ المليشيا والقاعدة معاً بالأسلحة القادمة من إيران.
وقد ذهب التقرير الأممي في قراءته إلى ما هو أبعد من التهريب، إذ كشف أن حركة الشباب خصّصت نحو ربع أموالها التشغيلية للحصول على الأسلحة من مليشيات الحوثي ومن تنظيم القاعدة في اليمن، مع استمرار تدريب الحوثيين لمقاتلي الحركة وتبادل الأسلحة فيما بينهم.
جوازات الحوثي
يُعلّق مراقبون على الدلالة الخطيرة لحمل الصومالي القتيل جوازَ سفر يمنياً صادراً من صنعاء، إذ يرون أن هذا يتجاوز كونه مجرد وثيقة لحماية فرد بعينه، ليعكس نمطاً مؤسسياً تمارسه الجماعة بوعي استراتيجي.
وفي هذا الإطار، أفادت قوات أمن بونتلاند - وهي وحدة لمكافحة الإرهاب مدربة ومدعومة أمريكياً - بأن مواطناً صومالياً عضواً في جماعة الحوثيين يدير شبكة تجنيد في بونتلاند، حيث يعمل على تجنيد شباب صوماليين ونقلهم إلى اليمن لتلقي تدريبات قتالية، ثم إعادتهم إلى الصومال لدعم الجماعات المسلحة المحلية.
بمعنى أوضح، لا يقتصر دور الحوثيين على توفير الغطاء الوثائقي، بل يمتد إلى التجنيد والتدريب وإعادة التوجيه، في ما يصفه المختصون بـ«إدارة الشبكة الإرهابية العابرة للحدود بمنطق الدولة الأمنية».
إيران في صميم المشهد
لا يتردد الباحث الصومالي غوليد أحمد، في تقرير لمعهد الشرق الأوسط، في الحسم التام بقوله إن «إيران في صميم كل ما يحدث»، مُستنداً إلى أدلة متراكمة تربط طهران بهذه الشبكات على أكثر من مستوى.
وعلى صعيد الأرقام الموثقة، اعترضت سفن حربية تابعة لكل من الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا وأستراليا بين عامَي 2015 و2023 نحو 16 سفينة محملة بنحو 29 ألف قطعة أسلحة صغيرة وخفيفة، و365 صاروخاً موجهاً مضاداً للدبابات، و2.38 مليون طلقة ذخيرة، كانت في طريقها إلى الحوثيين عبر مراكب التجارة الساحلية وصيد الأسماك.
كما يُشير تقرير مركز كارنيغي إلى أن طهران تستضيف سيف العدل الذي يتولى زعامة تنظيم القاعدة بحكم الأمر الواقع، ويعتبر أن تلاقي وجهات النظر بين المقاتلين السنة والشيعة أمرٌ ضروري في إطار محاربة الدول الغربية - وهو ما يفسر في نظر المراقبين انهيار الحواجز الأيديولوجية الظاهرية بين جماعات عقدياً متنافرة.
أهداف مشتركة
ما يُقلق المحللين أكثر من التهريب، هو وجود أهداف عملياتية مشتركة موثقة بالوثائق. فقد أكد فريق خبراء الأمم المتحدة استمرار التنسيق بين الحوثيين وتنظيم القاعدة، مُشيراً إلى أن اثنين من أفراد التنظيم نسّقا أنشطتهما مع أجهزة الأمن والمخابرات الحوثية عبر اتصالات تم اعتراضها، فضلاً عن حضور مستشارين من حزب الله داخل مناطق السيطرة الحوثية لتقديم دعم فني في برامج الصواريخ والمسيّرات.
وعلى الصعيد الاستراتيجي الأشمل، أكد التقرير الأممي أن تعزيز العلاقات بين الحوثيين وحركة الشباب يمكن أن يشكّل تهديداً متزايداً للسلام والأمن والاستقرار، ليس في اليمن فحسب، بل أيضاً في المنطقة بأسرها.
وتنعكس هذه التهديدات بشكل مباشر على المناطق المحررة؛ إذ شدد قادة مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة رفع مستوى التنسيق بين مختلف القوى العسكرية في مواجهة الحوثيين وتنظيم القاعدة بما يضمن حفظ الأمن في المناطق المحررة وتفعيل مؤسسات الدولة فيها، في إقرار ضمني بأن الخطر المشترك بات يُهدد مناطق بعيدة عن خطوط التماس التقليدية.
وثيقة فضحت منظومة
يخلص المراقبون إلى أن ضربة المهرة ليست نهاية قصة، بل هي منتصفها، الجواز الحوثي الذي كان يحمله الصومالي القتيل يُخبر بأن الجماعة تُدير اليوم بنية خدمية كاملة للشبكات الإرهابية الإقليمية - تجنيداً وتدريباً وتوثيقاً وتهريباً - في تحوّل نوعي من الفاعل المسلح المحلي إلى اللاعب الإقليمي الراعي للإرهاب.
وهو ما رصده الخبراء الأمميون صراحةً حين وصفوا تحوّل الحوثيين من «جماعة مسلحة محلية محدودة القدرات، إلى منظمة عسكرية قوية، توسّع نطاق قدراتها التشغيلية متجاوزاً بكثير حدود الأراضي الخاضعة لسيطرتها».
في هذا المشهد، لم يكن عبدالشكور باهي علي سوى حلقة واحدة في سلسلة طويلة؛ وما كشفته ضربة المسيّرة أمس يستدعي استثماراً استخباراتياً متكاملاً قبل أن تبرد الأدلة، وتتفرق الخيوط التي ربطت صنعاء بمقديشو، مروراً بالغيضة.
عن الحديدة لايف